دولي وعربي


تقرير اسرائيلي: تحويل المنطقة الصفراء في لبنان إلى منطقة تجارية

الخميس 15 تشرين الأول 2026 - 0:03

في طرح يعكس توجهاً إسرائيلياً لإعادة النظر في الواقع الاقتصادي والأمني في جنوب لبنان، يقدّم الكاتب الإسرائيلي غادي عزرا، في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، مقاربة تقوم على تحويل المنطقة الفاصلة في الجنوب إلى منطقة تجارية، بما يفتح الباب أمام تساؤلات حول أهداف هذا الطرح وتداعياته على السيادة اللبنانية ومستقبل المنطقة الحدودية.

وجاء في المقال:

في الشهر الماضي، اهتزّت الأرض في النبطية، إذ سجّلت أجهزة رصد الزلازل تفجيرات باستخدام 1100 طن من المتفجرات داخل أنفاق سلسلة علي الطاهر، فبدت كأنها هزّة أرضية بقوة 4.1 درجات. وكان الهدف من التدمير المركز الأساسي التابع لوحدة بدر؛ فعلى مدى عقدين من الزمن، جرى حفر الأنفاق، بتمويل إيراني، وأُقيمت فيها غرف قيادة وسيطرة، وخُزّنت الصواريخ، وأُنشئت مواقع إطلاق كانت تطلّ على المطلة وكريات شمونة.

في اليوم التالي، تم تأجيل الجولة التفاوضية بين إسرائيل ولبنان. وفي الأسبوع المقبل، عندما يلتقي الطرفان أخيراً في فلوريدا، ستركّز الوفود أساساً على الجوانب العسكرية، بينما ستُترك القضايا السياسية إلى ما بعد الانتخابات. وستشكّل منشأة علي الطاهر دليلاً إضافياً، في نظر إسرائيل، على أن إسرائيل وحدها قادرة على تفكيك حزب الله. وتكون بمثابة تبرير للصيغة التي جرى التوافق عليها مع لبنان، والتي تنصّ على أن إسرائيل لن تنسحب من أيّ أرض قبل "تطهيرها" من التنظيم "الإرهابي".

لكن هنا يكمن أيضاً الإخفاق المحتمل؛ فمنشأة علي الطاهر ليست مجرد تذكير بالتهديد الشيعي، بل هي دليل على فشل الحلول السياسية التي طُبّقت في المنطقة حتى الآن. وبينما ستتنازع الوفود داخل قاعة الاجتماع بشأن الخرائط، فإن السؤال الذي لن يُطرح هو "كيف نضمن ألّا يعود حزب الله بعد مغادرة الجيش الإسرائيلي؟" وبعبارة أُخرى، مَن الذي سيملأ الفراغ في سلسلة علي الطاهر؟
بعد ربع قرن على الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وبعد القرار 1701 السيئ السمعة، واتفاق وقف إطلاق النار الساذج الذي أُبرِم في أواخر سنة 2024، تعلّمنا أننا أقوياء عسكرياً، لكننا بحاجة إلى حلول سياسية مختلفة بعض الشيء.


لذلك، حان الوقت للتفكير بطريقة مختلفة قليلاً؛ ينبغي تحويل الجنوب اللبناني من عبء إلى مكسب، وليس مجرد منطقة عازلة، بل منطقة تجارة! كيف؟

تقوم إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة بتحديد منطقة جغرافية، والاعتراف بها بموجب اتفاق، باعتبارها منطقة تجارة حرة. وتبقى الأرض لبنانية، بينما تكون الملكية مشتركة. وتعمل الشركات في هذه المنطقة في مجالات الزراعة والطب وغيرها. وتتولى الولايات المتحدة توفير الجزء الأكبر من الاستثمارات.

تمتلك الحكومات الثلاث "أسهماً ذهبية" تمنحها حق النقض (الفيتو) بشأن هوية الجهات التي يُسمح لها بدخول المشروع. وتدفع كلّ شركة تشارك فيه "رسوماً للسلام"، ويُخصّص عُشر الأرباح للتعليم على التسامح ونزع التطرف.

ستُدعى الدول الموقّعة لاتفاقيات أبراهام إلى الانضمام، بصفتها دولاً مؤسِّسة، إلى جانب دول، مثل السعودية؛ أمّا العائد الإسرائيلي، فسيُخصَّص، وفقاً للاتفاق، أولاً وقبل كل شيء، لإعادة إعمار الشمال الإسرائيلي، الذي أُفرغ من سكانه مرتين خلال ثلاثة أعوام.

صحيح أن الاقتصاد لم ينجح يوماً في هزيمة الأيديولوجيا الإسلامية "المتطرفة" في الشرق الأوسط، لكن الحجة هنا مختلفة: المال يشكّل حافزاً للهدوء، ويجعل خسارته أكثر تكلفة.

حزب الله، قبل كل شيء، مؤسسة اقتصادية؛ ففي بلد يعيش نحو نصف سكانه في الفقر، لا يتجاوز راتب الجندي في الجيش اللبناني نحو 300 دولار شهرياً، وفي المقابل، ووفقاً لوزارة الخزانة الأميركية، حوّل الحرس الثوري الإيراني إلى حزب الله أكثر من مليار دولار في العام الماضي وحده. والنتيجة أن مقاتلاً في التنظيم ربما يتقاضى ضُعف راتب الجندي الذي يُفترض أن يقاتله. وبهذا المعنى، يؤدي حزب الله دور صاحب العمل والمصرف ومؤسسة الضمان الاجتماعي للطائفة الشيعية في آن معاً.

أمّا إيران، فحوّلت الاقتصاد اللبناني إلى سلاح، لكن، من خلال الابتكار، يمكن تحويل هذا السلاح إلى أداة لتفكيك نفوذها.

كلا؛ هذه المناطق لا تشبه المناطق الصناعية التجريبية في الأردن، التي انطلقت في منتصف التسعينيات؛ ففي ذلك الوقت، ساهمت تلك المناطق بشكل فعلي في رفع الصادرات الأردنية إلى الولايات المتحدة من 16 مليون دولار إلى مليار دولار، لكن السلام ظل بارداً، لأن الاقتصاد بقيَ مجرد ملحق به. ولم تصل الأرباح إلى السكان فعلياً.

أمّا في الحالة المطروحة هنا، فالأمر مختلف: هناك عدد أكبر من الشركاء، وستُوزّع الأرباح بينهم. وهذا لا يعني خصخصة الأمن؛ إذ سيظل مبدأ "الانسحاب في مقابل نزع السلاح"، وكذلك حرية عمل الجيش الإسرائيلي، قائمَين في كل مرحلة.

المهم أن اللبنانيين أنفسهم أصبحوا أكثر استعداداً لمثل هذا التصور، مقارنةً بالماضي؛ ففي استطلاع أُجريَ في أيار/مايو من هذا العام، أيّد 58% تفكيك حزب الله، في حين ارتفعت نسبة التأييد للسلام مع إسرائيل من 25% إلى 49% خلال أقلّ من عام؛ أمّا بين الشيعة، فعلى نقيض ذلك، يعارض 88% هذا التوجه، لكن هذا ليس سبباً للتراجع، بل هو سبب للاستمرار. إن شيعة النبطية هم مَن يدفع حزب الله لهم الأموال، وإذا توفّر بديل في المنطقة، فربما تتراجع جاذبية التنظيم "الإرهابي" في نظر بعضهم.

أثبتنا في سلسلة علي الطاهر، مرةً أُخرى، قدرتنا على تحييد التهديد، لكن لا أحد في المنطقة يُظهر حتى الآن كيف يمكن البناء.

الأمن يُفرض بالقوة أمّا الاستقرار، فيأتي من الازدهار. والتحالف المقبل في المنطقة، الذي ستكون إسرائيل في قلبه، سينشأ من أماكن كهذه تحديداً، وليس من اتفاق آخر لوقف إطلاق نار وهمي.

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة