دولي وعربي


الإسرائيليون يخشون "اتفاق مكة"

الثلاثاء 11 آب 2026 - 0:05

تحت عنوان: "اتفاق مكة" ليس موجهاً ضد إسرائيل، لكنه يمكن أن يُلحق الضرر بها" كتب  الباحث الإسرائيلي يوئيل غوزنسكي مقالة جاء فيها:

إن اتفاقية الدفاع الثلاثية بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، والتي وُقّعت في نهاية الأسبوع في مكة المكرمة، ربما تشير إلى أن محاولات دول المنطقة بناء شبكات أمنية خاصة بها، لا تعتمد بشكل حصري على الولايات المتحدة، دخلت مرحلةً جديدة.

من وجهة نظر إسرائيل، هذا التطور يستحق الدراسة بحذر، لأن المنظومة الإقليمية المحيطة بها آخذة في التغيّر، وفي غضون ليلة واحدة، نشأ حولها تحالف عسكري جديد.

نصَّ البند الأبرز في الاتفاق على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعتبر هجوماً على هذه الدول مجتمعةً، وبذلك تبنّت الدول الثلاث مبدأً يشبه، على الأقل على مستوى التصريح، فكرة الدفاع الجماعي المرتبطة بحلف الناتو.

لكن من المبكر وصف الاتفاق بأنه "ناتو إسلامي"؛ فالدول الموقّعة تختلف عن بعضها اختلافاً كبيراً، ومصالحها غير متطابقة، وحتى الآن، لا توجد أدلة على إنشاء آليات قيادة مشتركة، أو التزامات عملياتية مماثلة لتلك القائمة في حلف شمال الأطلسي. كما أن الدول نفسها تؤكد الطابع الدفاعي للاتفاق، وليس إنشاء تكتل عسكري جديد.

مع ذلك، لا يجب التقليل من أهمية هذا الاتفاق؛ فكل دولة من الدول الثلاث تأتي إلى الاتفاق مع ورقة استراتيجية مختلفة؛ فالسعودية تقدم قوة اقتصادية، وموارد طاقة، ونفوذاً في العالمَين العربي والإسلامي؛ أمّا تركيا، فتقدم أحد أكبر الجيوش في المنطقة، وصناعة دفاعية متقدمة، وخبرة عملياتية، إلى جانب عضويتها في حلف الناتو؛ ومن جانبها، تقدم باكستان جيشاً كبيراً ذا خبرة، والأهم من ذلك، مكانتها الفريدة كدولة مسلمة تمتلك أسلحة نووية. هذا المزيج بين الدول الثلاث هو ما يجعل الاتفاق مثيراً للاهتمام بشكل خاص؛ فالجمع بين هذه الدول يمنح الاتفاق قوة إقليمية.

من وجهة نظر الرياض، يعكس الاتفاق عملية أعمق تجري منذ أعوام؛ فالسعودية لا تتخلى عن تحالفها مع الولايات المتحدة، لكنها لم تعُد مستعدة أيضاً لوضع أمنها في أيديها بشكل شبه حصري. إن تعرُّض السعودية للصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات الإقليمية، إلى جانب حالة عدم اليقين المستمرة بشأن مدى استعداد الولايات المتحدة للتدخل في كل أزمة، يدفع المملكة إلى توسيع قائمة شراكاتها، وبدلاً من الاختيار بين واشنطن وبكين وأنقرة وإسلام آباد، تفضّل الرياض الحفاظ على علاقات مع الجميع، وتقليص اعتمادها، بقدر الإمكان، على طرف واحد.

بهذا المعنى، لا يُعدّ التحالف الجديد، بالضرورة، خطوة معادية للولايات المتحدة، فهو في المقام الأول خطوة سعودية للحيطة من المخاطر، ومع ذلك، فإنه يوجّه أيضاً رسالة إلى واشنطن: إذا كانت الولايات المتحدة لا تستطيع، أو لا ترغب في أن تكون المزوّد الأمني الحصري للمملكة، فلدى السعوديين بدائل.

يخيّم فوق الاتفاق أيضاً سؤال شديد الحساسيةهل تشكل الأسلحة النووية الباكستانية جزءاً من مظلة الردع الجديدة؟ السؤال ليس نظرياً. فمنذ الاتفاق بين باكستان والسعودية، الذي وُقّع في أيلول/سبتمبر 2025، أثيرَ نقاش بشأن ما إذا كان معناه توسيع نطاق الردع النووي الباكستاني ليشمل المملكة أيضاً. والآن، مع انضمام تركيا إلى الإطار الثلاثي، يكتسب السؤال بُعداً استراتيجياً أوسع كثيراً.

ولا توجد في هذه المرحلة قاعدة علنية كافية للقول إن السعودية وتركيا حصلتا على "مظلة نووية" باكستانية تلقائياً؛ فصيغة الدفاع المتبادل لا تعني، بالضرورة، التزاماً حيال استخدام الأسلحة النووية، وبالتأكيد لا تعني أن باكستان نقلت أي نوع من السيطرة على ترسانتها.

لكن في مجال الردع، يمكن للغموض أحياناً أن يكون أيضاً أصلاً استراتيجياً، فمجرد اضطرار خصوم السعودية إلى الأخذ في الحسبان احتمال أن تعتبر باكستان أي هجوم على المملكة هجوماً عليها، يضيف طبقة جديدة إلى حسابات المخاطر في المنطقة.

بالنسبة إلى إسرائيل، ربما يكون العنصر التركي مهماً بشكل خاص؛ ففي الأعوام الأخيرة، وسّعت تركيا حضورها الأمني في الشرق الأوسط، وأصبحت صناعتها الدفاعية أداةً مركزية في السياسة الخارجية لأنقرة. وتستخدم تركيا تصدير الطائرات المسيّرة، ومنظومات القتال، والسفن، والخبرات العسكرية، لبناء علاقات طويلة الأمد وتوسيع نفوذها.

إن انضمام تركيا إلى إطار أمني مع السعودية وباكستان يمنح أنقرة فرصة لتعميق نفوذها في الخليج، لكنه يمنح الرياض أيضاً ميزة؛ فالسعوديون لا ينضمون إلى تحالف تركي، بل إلى إطار ثلاثي يشكلون، هم أنفسهم، مركز ثقله، وهذا الفارق مهم، وخصوصاً أن العلاقات بين السعودية وتركيا شهدت خلال الأعوام الأخيرة أيضاً منافسة حادة على النفوذ والقيادة في العالم السنّي، والاتفاق الجديد لا يمحو هذه المنافسة، لكنه يضعها ضمن إطار من التعاون.

سيكون من الخطأ، إسرائيلياً، اعتبار كلّ تقارُب عسكري بين دول مسلمة تحالفاً معادياً لإسرائيل، إذ لا يوجد في هذه المرحلة أساس للقول إن الاتفاق موجّه ضد إسرائيل؛ فالدول الثلاث تواجه منظومات تهديدٍ عديدة، وبالنسبة إلى الرياض، يرتبط هذا التحرك، في المقام الأول، برغبتها في توسيع هامش مناورتها الاستراتيجية وتقليل اعتمادها على طرف خارجي واحد.

لكن سيكون من الخطأ أيضاً، وبالقدر نفسه، تجاهُل التداعيات المحتملة للاتفاق على إسرائيل؛ فعلى مدى أعوام، استند أحد الآمال الاستراتيجية في إسرائيل إلى إمكان أن يؤدي التهديد الإيراني، وبالتدريج، إلى نشوء منظومة أمنية إقليمية تتعاون فيها إسرائيل والدول العربية البراغماتية.

يشير الاتفاق الجديد إلى احتمالٍ آخر، وهو أنه في إمكان الدول العربية بناء آليات أمنية إقليمية من دون إسرائيل أيضاً، فإذا تمكنت الرياض من تعميق علاقاتها الأمنية مع واشنطن، والحصول في الوقت نفسه على قدرات من تركيا والاستفادة من التعاون الاستراتيجي مع باكستان، فربما تتراجع القيمة النسبية لإسرائيل، كجزء من منظومة الأمن الإقليمية.

هذا لا يعني أن التطبيع بين إسرائيل والسعودية أصبح خارج جدول الأعمال، لكن معناه أن السعودية ستدخل أي نقاش مستقبلي مع إسرائيل والولايات المتحدة وهي تمتلك عدداً أكبر من البدائل. ومن وجهة نظر الرياض، إن وجود البدائل بحد ذاته يمثل أصلاً استراتيجياً وأداة تفاوُض.

سيكون الاختبار الحقيقي لـ"اتفاق مكة" فيما سيليه؛ إذا بقيَ الاتفاق مجرد إعلان سياسي إلى حدّ كبير، فستكون أهميته محدودة؛ أمّا إذا شهدنا إنشاء آلية دائمة للتنسيق الأمني، وإجراء مناورات مشتركة، ودمج منظومات الدفاع الجوي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وإبرام صفقات أسلحة كبيرة، وإنتاجاً دفاعياً مشتركاً، أو وجوداً عسكرياً باكستانياً وتركياً أوسع في المملكة، فسيكون واضحاً أننا أمام تغيير أعمق.

لا تقلّ مسألة التوسع أهميةً عن ذلك، فإذا انضمت إلى هذا الإطار دول عربية، أو إسلامية أُخرى في المستقبل، مثل مصر، فيمكن أن يتحول من تحالف ثلاثي إلى نواةٍ لمنظومة أمنية إقليمية جديدة، كما أن اختيار مكة مكاناً لتوقيع الاتفاق يمنحه بُعداً رمزياً يصعب تجاهُله. فهذا الإطار يجمع بين الدولة التي توجد فيها أقدس الأماكن في الإسلام، وإحدى أهم القوى العسكرية في العالم الإسلامي، والدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك أسلحة نووية.

بالنسبة إلى إسرائيل، فإن الاستنتاج ليس أنه يجب النظر إلى المثلث الجديد، باعتباره عدواً، بل بالعكس، تكمن المصلحة الإسرائيلية في منع تحوّل مثل هذه التطورات، بالتدريج، إلى أطر تستبعدها من المجال الإقليمي.

على إسرائيل أن تعمّق الحوار الاستراتيجي مع السعودية، وتحافظ على قنوات التواصل مع تركيا، وأن تدرك أن الشرق الأوسط الجديد لم يعُد منقسماً ببساطة إلى معسكرات "معنا" و"ضدنا"؛ فدول المنطقة تبني شبكات متداخلة من الشراكات، وتتعاون أحياناً مع خصومها بالتوازي. ويمثل "اتفاق مكة" تعبيراً واضحاً عن هذا الاتجاه.

من المبكر جداً تحديد ما إذا وُلد "ناتو إسلامي" فعلاً. والسؤال هو عمّا إذا كانت إسرائيل ستتمكن من إيجاد مكان لها ضمن منظومة إقليمية، لا تنتظر شريكاتها المحتملات فيها قدومها، بل تعمل على بناء بدائلها الخاصة.

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية

 



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة