السبت 15 آب 2026 - 0:06
تحت عنوان: "إسرائيل تفقد بالتدريج سيطرتها وحكمها في الضفة الغربية" كتب غاي حزوت الضابط المتقاعد في الجيش الإسرائيلي في صحيفة "يدعوت أحرونوت" مقالة يحذر فيها من فقدان إسرائيل بشكل تدريجي السيطرة على الضفة الغربية بسبب ممارسات اليمين المتطرف الاسرائيلي وجاء في المقال:
حان الوقت للتخلّي عن تلطيف المصطلحات؛ فعبارات مثل "شبيبة التلال" و"جباية الثمن"، و"الإخلال بالنظام"، و"الجريمة القومية"، وحتى "مثيري الشغب"، لم تعُد تعكس خطورة الواقع. يجب الاعتراف بحقيقة أن إسرائيل تفقد، بالتدريج، سيطرتها وقدرتها على فرض الحكم في الضفة الغربية.
وفقدان السيطرة هذا لا ينجم حالياً عن "الإرهاب" الفلسطيني، الذي انخفض إلى مستويات متدنية جداً بفضل النشاط العملياتي الاستثنائي للقيادة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، بل ينتج من انتشار الإرهاب اليهودي، الذي يشوّه صورة إسرائيل ويضرّ بالأغلبية الساحقة من المواطنين الملتزمين حيال القانون، الذين يعيشون في المستوطنات؛ فالتدهور الحالي هو نتيجة عملية مستمرة تتمحور حول فقدان وتدمير مفهوم التشغيل المعقد الذي اعتمدته إسرائيل في المنطقتين اللتين احتلتهما في حرب الأيام الستة. وصُمِّم هذا المفهوم منذ البداية للسماح باستمرار مشروع استيطاني ذي أهمية استراتيجية قصوى في قلب تجمّع سكاني فلسطيني معادٍ.
آليات الكبح الأربع التي انهارت
في الفترة 2010 - 2012، عندما كنت قائداً لمنطقة الخليل في الضفة الغربية، وهي تمثل نموذجاً مصغراً للصراع الإسرائيلي الفلسطيني قابلاً للانفجار، كان تحت تصرفي "قبضة حديدية" عملياتية؛ إذ كانت قوات مدربة من الجيش الإسرائيلي وحرس الحدود، إلى جانب وحدات النخبة والاستخبارات العالية الجودة من الشاباك، تعمل مثل آلة متطورة، وفق أسلوب "جزّ العشب"، أي عبر ضرب مستمر لبنى "الإرهاب"، لكن بما أن النشاط يجري في منطقة مدنية مختلطة، فإن الدولة فعّلت أربع آليات كبح أساسية، إلى جانب تلك القبضة الحديدية، هدفها الحفاظ على الحكم الرشيد والسماح بالحياة الطبيعية والنسيج الحياتي السليم لجميع السكان، لكن اليوم، يبدو كأن هذه المكابح الأربعة تآكلت إلى حد كبير.
1-الإدارة المدنية: وهي الهيئة المسؤولة عن فرض القانون والنظام على كل ما يتعلق بالبناء غير القانوني، سواء أكان إسرائيلياً، أم فلسطينياً، ومنذ انتقال المسؤولية عنها إلى الوزير بتسلئيل سموتريتش، توقفت عن أداء دورها المتوازن.
2- الشرطة الإسرائيلية في منطقة الضفة الغربية: إن الوجود الشرطي له دور حاسم في منع الجرائم ذات الطابع القومي. ومنذ أن أصبح الوزير إيتمار بن غفير مسؤولاً عنها، يبدو كأن تطبيق القانون في هذا المجال توقّف، والشرطة لم تعُد تؤدي وظيفتها.
3- قسم مكافحة الإرهاب اليهودي في الشاباك: منذ استقالة رئيس القسم، عقب الانتقادات التي وُجهت إليه بسبب ضغطه على منطقة الضفة الغربية في الشرطة لتنفيذ اعتقالات بحق ناشطي اليمين المتطرف، يواجه القسم صعوبة في تنفيذ مهمته.
4- النيابة العسكرية: وهي الجهة المسؤولة عن كبح استخدام القوة، عبر التحقيقات وفرض الأوامر على أفراد الجيش، وعملياً، تضررت صورتها وفعاليتها، على خلفية قضية المدعية العسكرية العامة وسجن سديه تيمان، ولم تعُد تؤدي دورها.
انهيار المنظومة
إن النتيجة هي انهيار التصور المنظومي لدولة إسرائيل؛ لقد تعاونت الأجهزة الأربعة - الجيش الإسرائيلي، والشاباك، والشرطة، والإدارة المدنية - طوال أعوام، على محاربة "الإرهاب" وفرض القانون والنظام في الضفة الغربية؛ أمّا الآن، فبقيَ الجيش الإسرائيلي وحده، من دون المكابح التي كانت تتيح له ممارسة الحكم كجيش تابع لدولة ديمقراطية في منطقة يعيش فيها مواطنون إسرائيليون، لكن أيضاً يعيش فيها فلسطينيون.
تغيّر المستوى التكتيكي بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر
يرافق هذا الانهيار تحدٍ عميق آخر، هو تغيّر المجتمع الإسرائيلي والذين يخدمون في المستوى التكتيكي، بعد "مذبحة" 7 أكتوبر؛ فنحن نرى مقاتلين وقادة لم يعودوا يؤمنون بوجود أبرياء في الجانب الفلسطيني، بل جميعهم "إرهابيون"، في نظرهم، وفي الوقت نفسه، يجلب جنود الدفاع المناطقي معهم إلى النشاط العسكري أيديولوجيا شخصية تتعارض مع روح الأوامر العسكرية؛ كذلك تواجه الوحدات العائدة من مناطق القتال في غزة ولبنان صعوبة في الانتقال إلى ساحة تتطلب استخداماً للقوة بصورة منضبطة تميّز بين الأهداف؛ ويواجه المستوى القيادي الأعلى صعوبةً في التعامل مع هذا الواقع المعقد، ويفتقر إلى الشجاعة اللازمة للقيادة بحزم في مواجهته.
قطع الغصن الذي يتكئ عليه مشروع الاستيطان
عندما كنت قائداً للواء الخليل، قال لي مسؤول فلسطيني رفيع في حديث صريح ومغلق: إذا انسحبت إسرائيل من الضفة الغربية، فإن "حماس" ستسيطر على الضفة، على غرار ما فعلت في غزة.
إن ضيق مساحة إسرائيل بين نهر الأردن والبحر، وسيطرة شمال الضفة على المركز الاقتصادي لإسرائيل، أي منطقة غوش دان، والقرب من الضفة، إلى جانب البدو في الجنوب وقطاع غزة، أمور كلها تجعل السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية أصلاً استراتيجياً لإسرائيل، وكان الاستيطان في الأطراف والمناطق الحدودية دائماً عنصراً أساسياً في التصور الأمني لدولة إسرائيل. والمستوطنون لهم مساهمة هائلة في الدولة الصهيونية، ليس فقط عبر الاستيطان، بل أيضاً بتحمّل العبء ودفع ثمن أطول حرب في تاريخ إسرائيل.
لكن الأغلبية العظمى من المستوطنين هم مواطنون إسرائيليون ملتزمون حيال القانون، ويشعرون بالاشمئزاز من أعمال الإرهاب اليهودي، لكنهم يخشون النهوض واقتلاع هذه الظاهرة من داخل مجتمعهم، وهم يتجنبون مطالبة الوزيرين اللذين يمثلانهم سياسياً، وبحزم، بتفعيل كل أدوات الردع والرقابة الواقعة تحت مسؤوليتهما: إذ يجب على بن غفير أن يفعّل الشرطة لكي تفتح تحقيقاً عندما يطلق إسرائيلي النار على فلسطيني من سلاح حصل عليه من الجيش؛ كذلك يجب على سموتريتش أن يفعّل الإدارة المدنية لفرض القانون على البناء غير القانوني، ليس الفلسطيني فقط، بل اليهودي أيضاً. وعلى وزير الدفاع أن يطالب الشاباك بإعادة قسم مكافحة الإرهاب اليهودي إلى العمل بحزم ضد الإرهاب اليهودي، وأن يعيد إلى قائد المنطقة أداة الاعتقال الإداري ضد الإرهابيين اليهود، وطالما لم يحدث ذلك، فإن قيادة الصهيونية الدينية، تقطع بنفسها الغصن الذي تتكى عليه، أي مشروع الاستيطان.
كيف يمكن استعادة الحكم؟
لكي تستعيد إسرائيل قدرتها على فرض الحكم في الضفة الغربية، ليس هناك حاجة إلى جلسة تقييم أمني أُخرى، أو نقاش في مجلس الوزراء، أو تعزيز للقوات؛ المطلوب العودة إلى أسس التصور العملياتي الذي عملت إسرائيل وفقه على مدى أعوام في الضفة الغربية، والذي مكّن إسرائيل من هزيمة "الإرهاب"، وسمحت لنا بالاستيطان في الضفة الغربية، والبقاء بشراً في الوقت نفسه.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



