الثلاثاء 8 أيلول 2026 - 0:13
تحت عنوان: "إيران تتعرض لضغوط شديدة، وشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية لا تستبعد أن تلجأ إيران إلى التصعيد" كتب محلل الشؤون العسكرية في صحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل مقالة جاء فيها:
إن مناورة هيئة الأركان المفاجئة التي أجراها الجيش الإسرائيلي، أمس (الأحد)، تضمنت هجوماً متعدد الجبهات على إسرائيل: شنّ هجوم من "حماس" على المواقع العسكرية داخل قطاع غزة، مع نجاح قوة اقتحام واحدة في التسلل إلى منطقة غلاف غزة؛ كتيبة كوماندوز تابعة لحزب الله تتسلل إلى كيبوتس على الحدود اللبنانية؛ هجوم تفجيري في أبراج عزرائيلي في تل أبيب، وغير ذلك؛ وبحسب المناورة، تجري هذه التحركات كلها بتوجيهٍ إيراني. وطُلب من رئيس هيئة الأركان إيال زامير أن يعلن خلال فترة قصيرة اندلاع حرب. وهذه المرة، حرص الجيش على تبليغ مكتب رئيس الحكومة في الوقت المناسب.
من المستغرب بعض الشيء أن يتدرّب الجيش على اندلاع حرب جديدة، مع أن الحرب السابقة لم تنتهِ فعلياً بعد. وبعد شهر بالضبط، ستحلّ الذكرى الثالثة "للمجزرة" التي ارتكبتها "حماس" في 7 أكتوبر، وللحرب الحالية. فالحرب لم تنتهِ فعلياً على أيّ جبهة من الجبهات. والجيش الإسرائيلي، الذي فوجئ تماماً وأخفق في حماية سكان الغلاف في ذلك اليوم، وجّه منذ ذلك الحين ضربات إلى خصوم إسرائيل في المنطقة؛ إيران و"حماس" وحزب الله والحوثيون في اليمن، لكن الجيش لا يستطيع إعلان تحقيق النصر، أو انتهاء القتال على أيّ جبهة، بسبب عناد حكومة نتنياهو ورفضها البحث في هذا الاحتمال. فالنجاحات العسكرية، التي يميل مسؤولو هيئة الأركان إلى النظر إليها بصورة أكثر إيجابية مما تفعل أغلبية وسائل الإعلام الإسرائيلية، لم تُترجَم إلى أيّ خطوة سياسية. وطالما أن الأمر يعتمد على رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وشركائه، فستستمر الحرب حتى وقت طويل من السنة الرابعة..
حرص زامير على أن تكون المناورة مفاجئة فعلاً، ويقول في هيئة الأركان إن مجموعة صغيرة فقط من الضباط، لم تضم معظم كبار الضباط برتبة لواء، كانت تعرف مسبقاً بأمر المناورة؛ إذ جرى استدعاء أجزاء كبيرة من الجيش في ساعات الصباح الباكر، وقبل الظهر، جُمعت وحدات خاصة في قاعدة تسئيليم للتعامل مع سيناريو هجوم مفاجئ في الجنوب. واستندت مناورة هيئة الأركان، التي استمرت يوماً واحداً، بالكامل إلى افتراض أنه لم يعُد هناك صراع على جبهة واحدة فقط.
يتضح من المناورة أن أيّ هجوم مستقبلي كبير سيكون منسّقاً، وخصوصاً أن هناك علاقات وتأثيرات متبادلة بين مختلف الجبهات، فضلاً عن أن إضعاف المحور الإيراني نتيجة الحرب لم يُخرج اللاعبين الآخرين في المحور من الصورة، حتى لو تضررت قدرة النظام في طهران على مساعدتهم خلال الحرب. وقبل ثلاثة أعوام، كانت إسرائيل قريبة من مواجهة هجوم مشترك، عندما كانت الجهات الشريكة في المحور في ذروة قوتها العسكرية، لكن جهود التنسيق المبكرة بين "حماس" وإيران وحزب الله فشلت، واختار قائد المنظمة، يحيى السنوار، التحرك أولاً بمفرده، وطلب المساعدة بعد ذلك مباشرةً، لكن تردُّد إيران وحزب الله، وقرارهما عدم الاستجابة له في المرحلة الأولى، أنقذا إسرائيل من كارثة أكثر خطورة.
إن الحروب الإقليمية الحقيقية لم تنتهِ، لكنها دخلت في حالة من الهدوء النسبي والموقت؛ ففي إيران، لا تشمل المواجهة مع الأميركيين إسرائيل في هذه المرحلة؛ وفي لبنان، تلقّى حزب الله ضربة محددة بفقدانه السيطرة على تلة علي الطاهر؛ وفي غزة، يواصل الجيش الإسرائيلي مهاجمة أهداف "حماس" يومياً، ما دامت أعداد الضحايا المدنيين في الجانب الفلسطيني لا تصل إلى مستويات تثير قلق الولايات المتحدة.
لكن السيناريو الذي جرت وِفقه التدريبات ليس بعيداً جداً عن الواقع المحتمل، لسببين: أولاً، إن عدم الاستقرار والجبهات المفتوحة يتيحان إمكان اندلاع مواجهة جديدة في جبهة واحدة، أو أكثر؛ ثانياً، دخول إسرائيل في حالة من عدم الاستقرار والاضطراب الداخلي، قبيل انتخابات الكنيست المقررة بعد 50 يوماً. والجيش لن يقول ذلك بصورة مباشرة، لكن كثيراً من الأمور يعتمد الآن على سلوك الحكومة، وهذه الحكومة قادرة على إشعال حريق أكبر، بدوافعها الخاصة، عشية الانتخابات، وعلى جبهات متعددة.
هذه الظروف مختلفة تماماً عن الحملات الانتخابية التي اعتدناها في الماضي، مهما كانت متوترة؛ فهذه المرة، هناك مسائل كثيرة جداً على المحك، ليس فقط خطوات الحكومة ستخضع للفحص الدقيق، بل أيضاً أداء المستوى المهني.
• واصل نتنياهو إطلاق التهديدات ضد الإيرانيين ومساعديهم، وأعلن في حفل استقبال بمناسبة رأس السنة، خلال جلسة الحكومة، أن "إيران ستتلقى ضربة لا تتخيلها إذا ارتكبت خطأ وهاجمتنا؛ نحن مصممون على إكمال مهمة إسقاط النظام، ونهايته قريبة. أقول لأعدائنا: لا تعبثوا معنا، فهذا الشعب يعرف كيف يتّحد في لحظات الاختبار، وهو الآن أقوى قوة في الشرق الأوسط، ويقول البعض إنه كذلك خارجها أيضاً."
إنها تصريحات استعراضية وتهديدات فارغة، كان من الأفضل لأيّ سياسي إسرائيلي تجنُّبها بعد "كارثة" 7 أكتوبر، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بقائدٍ وقعت "المجزرة" في عهده؛ وعلى الساحة الإيرانية، تبدو إسرائيل كأنها بعيدة عن تحقيق النصر حتى الآن، والتطورات تعتمد بالكامل على القرارات الأميركية، بل إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عمل بشكل علني خلال الشهر الماضي على إبقاء إسرائيل خارج المواجهة. ولا يزال الجيش الإسرائيلي في حالة تأهّب قصوى، مع الاستعداد لتنفيذ هجوم فوري على الساحة الإيرانية إذا اقتضت الحاجة.
أمّا فيما يتعلق بما يحدث في الجنوب اللبناني، فأنهى الجيش الإسرائيلي فعلياً التعامل مع العشرات من عناصر حزب الله الذين اختبأوا عدة أشهر في سلسلة علي الطاهر، فقُتل نصفهم تقريباً، بينما يُرجَّح فرار البقية (ويؤكد مسؤولو هيئة الأركان أنه لم تُترك لهم ثغرة متعمّدة للفرار). ويستمر الآن تدمير البنية التحتية في المكان، لكن بعد اكتمال ذلك، لن يكون هناك مجدداً سبب للتمسك بأرض تقع في عمق الأراضي اللبنانية وبعيدة نسبياً عن الحدود اللبنانية.
سيكون السؤال عمّا إذا كانت الحكومة اليمينية قادرة على تحمُّل الانسحاب، الذي يمكن أن يضعها في موقف محرج أمام ناخبيها، عشية الانتخابات.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



