الجمعه 22 أيار 2026 - 0:05
في مقالة مشتركة لهما على "قناةN12 "تحت عنوان: "ترامب في مواجهة أصعب قرار في ولايته"، كتب الكاتبان الإسرائيليان عاموس يادلين وأودي أفينتال، وجاء فيها:
إن إعلان الرئيس دونالد ترامب أنه، بناءً على طلب من دول الخليج، أجّل هجوماً عسكرياً ضد إيران كان مخططاً له يوم الثلاثاء الماضي، لا يعني إسقاط احتمال تجدُّد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، بل ربما يدلّ على اقترابها. وفي أيّ حال، فإن تصريحات ترامب المتكررة بشأن الحرب، والتي يناقض فيها نفسه أحياناً، تشير إلى الوضع المعقّد الذي يواجهه، في ظل إخفاقه في انتزاع اتفاق من إيران بشأن الملف النووي وقضية حرية الملاحة، حتى بعد استخدام قوة غير مسبوقة لمدة تُقارب الأربعين يوماً وفرض حصار متواصل على مضيق هرمز.
على خلفية الطريق المسدودة في المفاوضات مع إيران، يُجري ترامب مشاورات متواصلة مع القيادات الأمنية والعسكرية الأميركية بشأن البدائل المتاحة له لزيادة الضغط على النظام في طهران، بما في ذلك استئناف القتال بشكل محدود ومركّز. لكنه، عملياً، يناور بين خيارات عمل كلها إشكالية بالنسبة إليه؛ أمّا إسرائيل، فمن جهتها، هي تعتمد على قراراته، التي لديها تأثير أقلّ فيها في التوقيت الحالي، على الرغم من أن نتائجها ستنعكس على مصالحها الاستراتيجية بعمق. البديل الأول: اتفاق إشكالي.
يبدو كأن "الاتفاق الجيد" غير مطروح على الطاولة من دون تصعيد كبير جداً في الضغط على إيران، إن كان ذلك ممكناً أصلاً. وتشعر إيران بأن لديها ورقتَي ضغط: إغلاق مضيق هرمز والتهديد بضرب إنتاج الطاقة في الخليج، وهي لا تمنح ترامب "سلّماً" يسمح له بإعلان انتهاء الحرب. فطهران غير مستعدة للعودة إلى "الوضع القائم" في مضيق هرمز، وتضع سلسلة شروط صارمة تتعلق بالسيطرة عليه ورفع العقوبات، حتى قبل الدخول في مفاوضات بشأن الملف النووي، الذي تلمّح فيه أيضاً إلى أنها غير مستعدة لتقديم تنازلات بعيدة المدى.
وأيّ اتفاق يُبقي اليورانيوم المخصّب لدى إيران - ليس فقط بنسبة 60%، بل حتى بمستويات أقل - أو يسمح لها بالتخصيب، أو الأسوأ من ذلك، السماح بتكديس اليورانيوم، من دون رقابة صارمة ومتغلغلة على برنامجها النووي، سيكون اتفاقاً سيئاً وخطِراً. البديل الثاني: مواصلة حصار الموانئ الإيرانية.
يُلحق الحصار ضرراً بالغاً بالاقتصاد الإيراني، وينطوي على إمكان توجيه ضربة عميقة إلى آبار النفط الإيرانية وقدرات الإنتاج، لكن من جهة أُخرى، فإن النظام الذي كان مستعداً لارتكاب مجازر بحق مواطنيه، ربما يُظهر فعلاً قدرة على الصمود لفترة طويلة، حتى على حساب الوضع الاقتصادي ورفاهية السكان... البديل الثالث: كسر الحصار الإيراني في هرمز بالقوة والعودة إلى "مشروع الحرية".
في الآونة الأخيرة، قرّر ترامب تنفيذ خطوة كهذه، لكنه تراجع عنها خلال 24 ساعة فقط. وجاء ذلك في ظل مخاوف حلفائه من أن تؤدي الخطوة إلى تصعيد واسع وأزمة اقتصادية خطِرة في الخليج، فضلاً عن وعودٍ من مساعديه بأن هناك عرضاً إيرانياً "جيداً" في الطريق... البديل الرابع: حرب محدودة، أو موسعة.
يمكن لترامب أن يحاول زيادة الضغط على إيران بالتدريج، لدفعها نحو تقديم تنازلات، وذلك عبر شنّ ضربات تحذيرية ضد البنى التحتية للكهرباء والطاقة داخل إيران، أو عبر عملية عسكرية برية كبيرة ومعقدة وخطِرة لإخراج اليورانيوم المخصّب من إيران، ومن المتوقع أن تردّ إيران باستهداف منشآت الطاقة في دول الخليج، كذلك يُتوقع أن تقفز أسعار النفط، وربما تتحول الحرب إلى حرب طاقة واسعة النطاق.
هذا كله من دون أيّ ضمان لموافقة إيران على تنازلات جوهرية، وفي وقت تتراجع نسبة التأييد للحرب، ولترامب، عشية انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني/نوفمبر، جزئياً، بسبب ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة. البديل الخامس: إعلان النصر والانسحاب.
على غرار إيقافه العملية ضد الحوثيين في العام الماضي بشكل مفاجئ، يمكن أن يعلن ترامب تحقيق نصر عسكري على إيران ويسحب القوات الأميركية من مضيق هرمز؛ عندها سيُفتح المضيق، وسيُحرَّر الاقتصاد العالمي من قبضة أزمة الطاقة.
على الرغم من أن بعض المحللين يرون أن هذا هو الخيار الأقل تكلفة بالنسبة إلى الولايات المتحدة في الظروف الحالية، فإن أثمانه المستقبلية قد تكون باهظة جداً، كما أن واقعاً كهذا سيهزّ قواعد حرية الملاحة في المياه الدولية، وربما يشجع أطرافاً أُخرى في الشرق الأوسط والعالم على فرض رسوم عبور في "الاختناقات البحرية"، من باب المندب إلى مضيق ملقا.
ذلك كله قبل الوصول أصلاً إلى قضية البرنامج النووي، وإمكان أن يغري الانسحاب الأميركي النظام الإيراني بالمجازفة والسعي لامتلاك قدرة نووية عسكرية.
على الرغم من تردّد دونالد ترامب، وما يبدو كأنه ضغوط تمارسها عليه الدول الحليفة في الخليج للتمسك بالدبلوماسية في الوقت الراهن، فإن تحليل السيناريوهات يُظهر أنه إذا استمرت إيران في التمسك بمواقف غير قابلة للتسوية في المفاوضات - بحسب مسودة الاتفاق الأخيرة التي قدمتها للولايات المتحدة ورفضها ترامب، باعتبارها غير كافية - فإن احتمالات تجدّد الحرب تزداد، عاجلاً أم آجلاً.
وأفادت وسائل إعلام أميركية بأن الولايات المتحدة وإسرائيل استعدتا، بشكل غير مسبوق منذ وقف إطلاق النار، لاحتمال استئناف القتال هذا الأسبوع بشكل فعلي، وأن ترامب تلقّى إحاطة من قائد القيادة المركزية الأميركية(CENTCOM) تتعلق بالخطط العملياتية الأميركية، التي وُصفت بأنها حملة قصيرة وقوية تهدف إلى زعزعة التقديرات الإيرانية.
لقد أصبحت أزمة السيطرة على مضيق هرمز أكثر إلحاحاً، على الأقل في المدى المتوسط، من قضية البرنامج النووي، التي كانت السبب الأساسي لخروج الولايات المتحدة إلى الحرب. ويُعتبر ذلك إخفاقاً لإدارة ترامب، التي بدا كأنها لم تكن مستعدة، ولم تُحضّر مسبقاً لمنع إيران من إغلاق مضيق هرمز.
أمّا إيران، فسعت لاستخدام ورقة هرمز لإنهاء الحرب من دون تقديم تنازلات جوهرية بشأن برنامجها النووي ومنظوماتها الصاروخية ووكلائها في أنحاء المنطقة، لكن "الشهية تأتي مع الأكل"، والآن، لم يعُد النظام الإيراني مستعداً للتراجع والسماح بحُرية الملاحة في المضيق. وبهذا، عملياً، إيران "تقيّد" ترامب بالأزمة، ولا تتيح له الانسحاب منها بصورة أحادية الجانب. ومن وجهة نظر إسرائيل، فإن أسوأ تطوّر ممكن سيكون التوصل إلى "اتفاق سيئ" مع إيران، حتى لو جاء بعد جولة قتال إضافية ربما تكون الأخيرة خلال ولاية ترامب؛ فالاتفاق الذي يحمل سمات الاتفاق النووي السابق لن يحلّ مشكلة البرنامج النووي، وسيسمح للنظام الإيراني بالتعافي من الضربات التي تلقّاها، وربما يؤدي إلى انسحاب أميركي أحادي من الخليج، بما يهدد مشروع التطبيع والاندماج الإقليمي بصورة فعلية.
في ظل هذه الظروف، وعلى خلفية اقتراب مباريات كأس العالم في الولايات المتحدة (التي ستنطلق في 11 حزيران/يونيو)، قد يكون الخيار الذي سيقرر ترامب التمسك به في المدى القصير، هو مواصلة الحصار على إيران، على أمل أن تؤدي الضغوط الاقتصادية التي تزداد على النظام إلى النتائج المرجوة، وأن يدفع التهديد للاقتصاد العالمي المجتمع الدولي، وبشكل خاص الصين، إلى تشكيل جبهة موحدة ضد إيران.
لكن الولايات المتحدة لا تملك أيّ ضمان لنجاح سياسة الحصار، ومع تفاقُم التأثير في الاقتصاد العالمي، ربما يجد ترامب نفسه مضطراً، في مرحلة ما، إلى كسر الحصار الإيراني على المضيق بالقوة، على أمل أن يتم ذلك بدعمٍ من تحالف دولي واسع. ويمكن أن يشكل الدعم الذي أبدته الصين لإعادة فتح المضيق، خلال زيارة ترامب إلى بكين، مؤشراً أولياً في هذا الاتجاه.
من جهة أُخرى، فإن سياسة حافة الهاوية التي تنتهجها إيران هي أيضاً "لعب بالنار"، ربما تتدهور إلى حرب تستهدف البنية التحتية للطاقة، وتُلحق بها أضراراً قد تحتاج إلى أعوام للتعافي منها.
أمّا بالنسبة إلى إسرائيل، فإن مصالحها تتركز على التهديد النووي، الذي تعتبره تهديداً وجودياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة، وكذلك الصين، مصالح أوسع تتعلق بتدفّق الطاقة والاقتصاد العالمي، وبخلاف دورها المركزي خلال الحرب المباشرة مع إيران، فإن تأثير إسرائيل في المفاوضات بين واشنطن وطهران محدود؛ لذلك يتعيّن عليها استثمار شراكتها الاستراتيجية وعلاقاتها الأمنية والسياسية المتشعبة مع الولايات المتحدة لإقناع واشنطن بأن الاستقرار الطويل الأمد في الشرق الأوسط، والذي سينعكس على الاقتصاد العالمي، لن يتحقق من دون معالجة التهديد النووي الإيراني.
كذلك يُطلب من إسرائيل حشد دول الخليج لتنسيق مواقفها معها أمام إدارة ترامب، ولتحقيق ذلك، يتوجب عليها تعديل سياساتها في ساحات أُخرى، في غزة ولبنان وسورية، بهدف عرض جبهة إقليمية موحدة بقدر الإمكان في مواجهة واشنطن.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



