الجمعه 4 أيلول 2026 - 0:03
بعد سنوات من الأزمة المالية التي جمّدت أموال اللبنانيين في المصارف، ينتظر المودعون أي تشريع يعيد إليهم، ولو تدريجياً، جزءًا من ودائعهم. لكن بين الوعود التي تحملها مشاريع القوانين والقدرة الفعلية للمصارف على الدفع، تبرز فجوة جديدة قد تكون أكثر خطورة:هل تملك المصارف أصلًا السيولة اللازمة لتنفيذ قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع؟
هذا السؤال تضعه في الواجهة دراسة أعدّتها شركة الاستشارات العالمية "أنكورا"، خلصت إلى نتائج مقلقة بشأن الصيغة الحالية للقانون المعروف بـ"قانون الفجوة" الذي أعدّته الحكومة، ولا سيما ما يتعلق بتسديد مبلغ يصل إلى 100 ألف دولار نقدًا للمودع.
وبحسب الدراسة، فإن تطبيق القانون بصيغته الحالية قد يؤدي إلى عدم تمكن نحو 550 ألف مودع من الحصول على المبالغ الموعودة كاملة، نتيجة تعثّر العدد الأكبر من المصارف ونقص السيولة لديها.
29.1 مليار دولار مهددة
تشير أرقام الدراسة إلى أن نحو 29.1 مليار دولار من أصل ودائع إجمالية تبلغ 82 مليار دولار قد لا يتم سدادها، في حال عجزت المصارف عن تأمين حصتها من الأموال المطلوبة لتنفيذ الخطة.
والأكثر إثارة للقلق أن الدراسة ترسم مسارًا تنازلياً لقدرة المصارف على الدفع. فمن أصل 38 مصرفًا، سيكون 10 مصارف فقط قادرًا على مواصلة سداد الجزء النقدي خلال السنة الأولى، لينخفض العدد إلى 8 في السنة الثانية، ثم إلى 7 في السنة الثالثة، وصولًا إلى 6 مصارف فقط في السنة الرابعة.
وهذا يعني، وفق الدراسة، أن غالبية المصارف قد تجد نفسها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها قبل انتهاء مهلة السنوات الأربع المفترضة للسداد.
من يدفع عندما يعجز المصرف؟
هنا تبرز المعضلة الأساسية. فإذا كان القانون يعد المودع باسترداد جزء من أمواله نقدًا، فيما المصرف المعني لا يمتلك السيولة الكافية، فمن سيتحمل الفارق؟ وهل ستنتقل المسؤولية إلى مصرف لبنان أو الدولة، أم يتحمل المودع مجددًا نتائج الخسائر؟
وتطرح هذه الأرقام أيضًا علامات استفهام حول قدرة القانون على تحقيق أحد أهدافه الأساسية، أي إعادة الثقة بالقطاع المصرفي وطي صفحة الأزمة المالية. فالثقة لا تستعاد بمجرد تحديد قيمة الوديعة القابلة للسداد، بل بوجود آلية تمويل واضحة تضمن وصول الأموال فعلًا إلى أصحابها.
وبالتالي، فإن التحذير الذي تحمله دراسة "أنكورا" لا يتعلق فقط بمصير 550 ألف مودع، بل بمصير خطة استرداد الودائع برمتها. فقبل تحديد الوعود ومهل السداد، يبقى السؤال الذي يحتاج إلى جواب واضح: من أين ستأتي الأموال، ومن يضمن للمودع أن مبلغ الـ100 ألف دولار لن يبقى مجرد رقم على الورق؟
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



