الأحد 23 آب 2026 - 0:01
خاص (أيوب)
في كل مرة تتراجع فيها أسعار النفط أو البنزين في الأسواق العالمية، يعود السؤال نفسه إلى الشارع اللبناني: لماذا لا يلمس المواطن هذا الانخفاض سريعاً على سعر صفيحة البنزين؟ ولماذا تبقى الصفيحة عند مستويات مرتفعة، حتى عندما تتحرك الأسواق الخارجية نزولاً؟
السؤال مشروع، لكن الإجابة أكثر تعقيداً من مجرد مقارنة سعر برميل النفط بسعر الصفيحة في لبنان. فالسعر الذي يدفعه اللبناني في محطة الوقود لا يتكوّن من ثمن النفط الخام وحده، بل من سلسلة عناصر تبدأ بسعر البنزين المستورد وتصل إلى الضرائب والرسوم وكلفة النقل والتخزين وعمولات الشركات والمحطات.
والأهم أن لبنان لا يشتري "برميل برنت" ليضعه مباشرة في خزانات السيارات. ما يستورده هو مشتقات نفطية مكررة، وبالتالي فإن المرجع الأساسي في احتساب كلفة البنزين هو سعر المشتق في الأسواق الدولية، الذي قد لا يتحرك بالنسبة نفسها أو بالسرعة نفسها التي يتحرك بها سعر النفط الخام.
الصفيحة فوق المليونين
بحسب بيانات وزارة الطاقة والمياه، تجاوز سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان في الأسابيع الأخيرة 2.4 مليون ليرة. ففي 31 تموز بلغ السعر 2 مليون و444 ألف ليرة، ثم ارتفع في 3 آب إلى 2 مليون و468 ألفاً. وتظهر بيانات الوزارة أيضاً بقاء السعر في نطاق مرتفع خلال آب.
وهذه الأرقام تكشف أيضاً مدى سرعة تبدّل الأسعار في لبنان. ففي 3 تموز مثلاً كان سعر صفيحة الـ95 أوكتان مليونين و220 ألف ليرة، أي أن الصفيحة ارتفعت بأكثر من 200 ألف ليرة خلال نحو شهر.
لكن المشكلة التي يشعر بها المواطن تكمن في أن ارتفاع الأسعار العالمية ينعكس سريعاً وبوضوح على الصفيحة، فيما يبدو التراجع في الخارج أبطأ وأقل حجماً عند وصوله إلى السعر المحلي.
هنا يجب التمييز بين أمرين: سعر النفط الخام، وسعر البنزين الجاهز للاستيراد.
لبنان بلد مستورد للمشتقات النفطية، ولذلك فإن انخفاض خام برنت لا يعني حكماً أن كلفة طن البنزين المستورد انخفضت في اليوم نفسه وبالنسبة نفسها. هناك أسعار للمشتقات المكررة وهوامش التكرير والشحن والتأمين، فضلاً عن الفارق الزمني بين حركة الأسواق وصدور جدول الأسعار اللبناني.
كما أن الأسواق العالمية نفسها تشهد تقلبات حادة. فبرنت أنهى تداولات 21 آب قرب 94 دولاراً للبرميل، بعدما شهد تحركات صعوداً وهبوطاً مرتبطة خصوصاً بالتوترات في الشرق الأوسط ومخاطر الإمدادات. وتشير البيانات إلى أنه، رغم بعض التراجعات المرحلية، بقي النفط أعلى بكثير من مستوياته قبل عام.
وهذا يعني أن الحديث عن "انخفاض عالمي" يحتاج إلى تحديد الفترة التي تجري المقارنة معها: انخفاض في جلسة أو عدة جلسات لا يعني بالضرورة أن الاتجاه العام للأسعار أصبح منخفضاً بما يكفي لإحداث هبوط كبير وفوري في لبنان.
الـ300 ألف ليرة غيّرت المعادلة
لكن العامل الأكثر وضوحاً في تفسير بقاء سعر الصفيحة مرتفعاً هو ما طرأ على تركيبة السعر محلياً.
ففي شباط 2026، اتخذت الحكومة إجراءات مالية تضمنت زيادة الضريبة على القيمة المضافة، إلى جانب تحميل صفيحة البنزين رسماً بقيمة 300 ألف ليرة. وقد انعكس ذلك مباشرة على جدول الأسعار، إذ شهدت صفيحتا البنزين في 17 شباط قفزة بلغت 361 ألف ليرة.
وهنا تكمن نقطة أساسية: جزء من السعر الحالي للصفيحة لم يعد مرتبطاً مباشرة بتقلب سعر البنزين في الخارج، بل أصبح عبارة عن أعباء محلية ثابتة أو شبه ثابتة.
بمعنى أبسط، حتى لو تراجعت كلفة البنزين المستورد، فإن الـ300 ألف ليرة المضافة على الصفيحة لا تختفي تلقائياً. وكذلك الأمر بالنسبة إلى بقية الضرائب والرسوم والعمولات الداخلة في تركيب السعر.
لذلك أصبح هناك ما يشبه "أرضية" أعلى لسعر البنزين مقارنة بالفترة التي سبقت القرارات الضريبية الأخيرة.
أين تذهب أموال الصفيحة؟
السعر النهائي الذي يظهر على جدول وزارة الطاقة هو حصيلة مجموعة مكونات، أبرزها ثمن المادة المستوردة، وكلفة الشحن والتأمين، وأعباء الاستيراد والتخزين والتوزيع، وعمولات الشركات وأصحاب المحطات، والضرائب والرسوم التي تفرضها الدولة.
كما يلعب سعر صرف الدولار دوراً مباشراً، لأن استيراد المحروقات وتسديد أثمانها يتمان بالدولار، فيما يصدر جدول الأسعار بالليرة اللبنانية.
وبالتالي، فإن أي انخفاض عالمي يجب أن يكون كبيراً ومستداماً بما يكفي ليتغلب على هذه المكونات حتى يشعر به المواطن بصورة واضحة عند المحطة.
السؤال لم يعد لماذا ينخفض النفط ولا ينخفض البنزين في لبنان؟ بل السؤال هو:ما حجم الضرائب والرسوم والأكلاف المحلية داخل كل صفيحة، وما مقدار الجزء الذي يتغير فعلياً مع الأسعار العالمية؟
فالشفافية في نشر التركيبة التفصيلية للصفيحة، بنداً بنداً، تسمح للمواطن بمعرفة ما يدفعه ثمناً للبنزين نفسه، وما يدفعه للدولة، وما يذهب إلى الاستيراد والنقل والتوزيع والعمولات.
وعندها فقط يمكن تحديد ما إذا كان انخفاض الأسواق العالمية يصل فعلاً إلى المستهلك اللبناني كاملاً، أو أن الرسوم والأعباء المحلية باتت تلتهم الجزء الأكبر من أي تراجع.
في المحصلة، لم تعد صفيحة البنزين في لبنان مرآة مباشرة لسعر النفط العالمي.قد ينخفض الخارج، لكن هناك جزءاً من السعر صُنع في الداخل، وهذا الجزء لا ينخفض مع برميل النفط.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



