الاثنين 10 آب 2026 - 0:00
كتبت (تالا غمراوي)
لم يدخل اسم سويسرا على خطّ المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية من باب الصدفة. فبعد جولة روما الأخيرة، بدأت تتضح معالم مرحلة جديدة من التفاوض، لا تتعلق فقط بمواعيد الانسحاب الإسرائيلي أو انتشار الجيش اللبناني، بل بالسؤال الأكثر حساسية: من سيراقب تنفيذ الاتفاق، ومن سيملك صلاحية التحقق من نزع سلاح حزب الله؟ هنا تحديداً برز اسم سويسرا.
بحسب معلومات إسرائيلية، تدرس تل أبيب إمكانية إسناد دور إلى سويسرا ضمن الآلية الدولية التي يُبحث في تشكيلها للإشراف على تنفيذ الاتفاق والتحقق من الالتزامات الأمنية. وإذا تم الاتفاق على ذلك، فلن يكون الدور السويسري شكلياً، لأنّ الجهة التي ستتولى التحقق قد تصبح عملياً واحدة من أهم حلقات الربط بين نزع السلاح من جهة، والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية من جهة أخرى.
لماذا سويسرا تحديداً؟
تملك سويسرا مجموعة عناصر تجعلها مناسبة لهذا النوع من المهمات. فهي دولة تتمتع بصورة دولية مرتبطة بالحياد والوساطة، ولديها علاقات مع لبنان، كما تستطيع التواصل مع إسرائيل والولايات المتحدة من دون أن تُصنّف طرفاً مباشراً في الصراع. لكن الحساب الإسرائيلي يبدو أبعد من صورة "الدولة المحايدة".
إسرائيل تريد جهة رقابة تثق بتقاريرها، ولا ترى أنها تحمل موقفاً سياسياً معادياً لها. وتفيد المعلومات الإسرائيلية بأن تل أبيب لا تريد إسناد المهمة إلى دولة تتحرك ضدها أمام المؤسسات والمحاكم الدولية. هذا الشرط يكشف جانباً أساسياً من المعركة الدبلوماسية الدائرة خلف طاولة المفاوضات. فمن يراقب التنفيذ لن يكون مجرد شاهد على ما يجري في جنوب لبنان، بل قد يكون صاحب التقرير الذي يحدد ما إذا كان لبنان قد نفّذ التزاماته في منطقة معينة، وما إذا كانت الظروف أصبحت ملائمة للانتقال إلى مرحلة جديدة من الاتفاق. بعبارة أخرى، المعركة لم تعد فقط على بنود الاتفاق، بل على هوية من سيحكم على تنفيذ هذه البنود.
عقدة فرنسا
يمكن من هذه الزاوية فهم الاعتراض الإسرائيلي–الأميركي الذي تحدثت عنه تقارير صحفية بشأن مشاركة فرنسا في الآلية الجديدة. فباريس لاعب تقليدي وأساسي في الملف اللبناني، ولها حضور عسكري داخل "اليونيفيل"، إضافة إلى علاقاتها التاريخية مع الدولة اللبنانية. لكن هذه المكانة لا تعني بالضرورة أن إسرائيل تريد منح فرنسا دوراً أساسياً في آلية التحقق الجديدة.
ومن هنا تبرز سويسرا كخيار مختلف: دولة أوروبية، لكن من خارج الاتحاد الأوروبي، ولا تحمل الإرث السياسي الفرنسي نفسه في لبنان، كما أن صورتها القائمة على الحياد يمكن أن تساعد على تسويق وجودها أمام الجانب اللبناني. هذا لا يعني أنّ اختيار سويسرا قد حُسم، بل إنها واحدة من الأسماء المطروحة ضمن النقاش الدائر حول هوية الدول التي يمكن أن تشارك في المهمة.
ما الذي تغيّر بعد روما؟
أظهرت جولة روما أنّ المشكلة لم تعد في الاتفاق على المبدأ فقط، وإنما في التفاصيل التنفيذية. لبنان يريد أن يؤدي تنفيذ التزاماته إلى انسحاب إسرائيلي واضح ومتدرج من الأراضي التي لا تزال القوات الإسرائيلية موجودة فيها، بينما تريد إسرائيل ضمانات ميدانية قبل الانتقال من مرحلة إلى أخرى. وهنا تظهر الحاجة إلى "طرف ثالث". هذا الطرف سيكون مطلوباً منه التأكد من تنفيذ الترتيبات الأمنية، وربما مراقبة انتشار الجيش اللبناني والتحقق من خلو مناطق محددة من السلاح غير الشرعي، وفق الصيغة النهائية التي سيتفق عليها. لكن السؤال الذي لم يُحسم هو حجم صلاحياته: هل سيكتفي المراقبون الدوليون بتلقي المعلومات من الجيش اللبناني؟ هل سيُسمح لهم بالتحقق ميدانياً؟ هل ستكون لهم حرية الحركة؟ ومن يبتّ بأي خلاف بين تقارير لبنان والمعلومات الإسرائيلية؟
ليست "يونيفيل" ثانية
حتى الآن، لا تشير المعطيات إلى قرار بإنشاء نسخة جديدة من "اليونيفيل"، لكن البحث في آلية دولية جديدة يفتح عملياً النقاش حول مستقبل الرقابة الدولية في جنوب لبنان. وقد رفض لبنان، وفق المعلومات المنشورة عن المفاوضات، فكرة الاستعانة بشركات أمنية خاصة للتحقق من التنفيذ، مفضلاً أن تكون المهمة بيد دول. وبالتالي، أصبح البحث يدور حول صيغة دولية تتمتع بشرعية سياسية وقانونية واضحة، سواء تحت مظلة الأمم المتحدة أو من خلال ترتيب خاص تتفق عليه الدولة اللبنانية مع الدول المشاركة. وهنا تصبح سويسرا أكثر من مجرد اسم على لائحة المرشحين.
تريد إسرائيل عملياً جهة تستطيع الاعتماد عليها عندما تقول إن منطقة ما أصبحت خالية من البنية العسكرية لحزب الله.
في المقابل، يحتاج لبنان إلى جهة لا تتحول إلى أداة إسرائيلية للحصول على معلومات أمنية داخل الأراضي اللبنانية أو إلى سلطة موازية للجيش اللبناني. هذه تحديداً ستكون واحدة من أصعب نقاط التفاوض. فالفرق كبير بين "مراقبة" تنفيذ الاتفاق وبين امتلاك صلاحية "التفتيش". كما أنّ الفرق أكبر بين تقديم تقرير تقني وبين منح جهة دولية القدرة على تحديد ما إذا كان لبنان قد نفّذ التزاماته أم لا. من هنا، لن تكون المعركة اللبنانية حول جنسية المراقبين فقط، وإنما حول قواعد عملهم وحدود صلاحياتهم.
ماذا تريد إسرائيل؟
يمكن قراءة الاهتمام الإسرائيلي بسويسرا من خلال ثلاثة أهداف.
1-إبعاد الدول التي لا تثق بها إسرائيل عن عملية التحقق.
2-إيجاد جهة تتمتع بقدر كافٍ من القبول اللبناني حتى لا تتحول مسألة المراقبة إلى أزمة سياسية داخلية منذ اليوم الأول.
3- بناء آلية تحقق يمكن أن تستند إليها إسرائيل مستقبلاً لتحديد ما إذا كانت الترتيبات الأمنية التي تطالب بها قد نُفذت فعلاً.
وهذا الهدف الأخير يحمل خطراً بالنسبة إلى لبنان إذا لم تكن هناك آلية مقابلة واضحة وملزمة للانسحاب الإسرائيلي.
فإذا كانت الجهة الدولية ستتحقق من تنفيذ لبنان لالتزاماته، فمن سيتحقق من تنفيذ إسرائيل لالتزاماتها؟ وهل يؤدي تقرير إيجابي عن منطقة لبنانية إلى انسحاب إسرائيلي تلقائي منها، أم ستبقى إسرائيل قادرة على تأجيل الانسحاب بحجة وجود مخاطر أمنية أخرى؟ هذه هي العقدة الأساسية.
ما بعد سويسرا
لذلك، فإن النقاش حول سويسرا يخفي خلفه معركة أكبر بكثير من اختيار دولة أوروبية للمشاركة في مهمة مراقبة. إنها معركة على هندسة مرحلة ما بعد الاتفاق. إذا أصبحت هناك قوة أو آلية دولية جديدة للتحقق من نزع السلاح، فإنها قد تشكل أحد أبرز التحولات في جنوب لبنان منذ صدور القرار 1701 وانتشار الجيش و"اليونيفيل" جنوب الليطاني عام 2006. وسيكون على لبنان أن يحسم ثلاثة أمور قبل الموافقة على أي صيغة: صلاحيات الجهة الدولية، علاقتها بالجيش اللبناني، والتلازم الصريح بين نتائج التحقق والانسحاب الإسرائيلي. لأنّ الخطر بالنسبة إلى بيروت هو أن تتحول آلية صُممت لضمان تنفيذ الاتفاق إلى أداة للتحقق من التزامات طرف واحد فقط. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن المعادلة تبدو أكثر وضوحاً: تل أبيب لا تبحث فقط عمّن يراقب الاتفاق، بل عمّن تثق به عندما يقول إن الاتفاق نُفذ. هنا يكمن سرّ الاهتمام بسويسرا.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



