الجمعه 7 آب 2026 - 0:00
كتب (أيوب)
بدأ النقاش حول التمديد للمفتي دريان بعد الوعكة الصحية التي تعرّض لها عام 2023، والتي استدعت مكوثه في المستشفى لأكثر من شهر، بالتزامن مع اقتراب بلوغه السن القانونية للإحالة إلى التقاعد في نيسان 2025.
انقسمت الآراء منذ ذلك الحين بين من رأى أن تعديل سن التقاعد ضرورة لضمان استمرارية المؤسسة الدينية والحفاظ على الاستقرار داخل دار الفتوى، وبين من اعتبر أنّ الهدف الحقيقي كان منع انتقال صلاحيات الإفتاء إلى أمين الفتوى الشيخ أمين الكردي بحكم القانون، على غرار ما حصل بعد اغتيال مفتي الجمهورية الشهيد الشيخ حسن خالد، عندما تولى الشيخ محمد رشيد قباني مهام قائم مقام المفتي إلى حين انتخاب مفتٍ جديد وفقاً (للمادة 27) التي تنص على ما يلي:يُناط بأمين الفتوى في العاصمة دراسة القضايا الدينية والشرعية المتعلقة بالإفتاء وإعطاء الرأي فيها، وهو يؤازر مفتي الجمهورية في مهامه، ويقوم مقامه بتفويض منه أثناء غيابه عن البلاد أو مرضه الطويل المدى أو عندما يتعذر عليه القيام بمهام منصبه.ويناط بأمين السر الخاص سائر المعاملات الإدارية الأخرى.وتسري أحكام هذه المادة على أمين الفتوى في طرابلس بالنسبة لمفتي طرابلس.
استند الرئيس الراحل سليم الحص بتوصية من خالد قباتي (مستشاره يومها) على هذه المادة عام 1989، عقب استشهاد المفتي حسن خالد فعُين الشيخ رشيد قباني قائم مقام مفتي الجمهورية اللبنانية.
اجتمع خصوم الشيخ أمين الكردي، ولكل منهم مآرب مختلفة في هذه الخصومة، فاتخذوا من مكتب رئيس جمعية المقاصد فيصل سنو غرفة عمليات لإدارة حملة التمديد. وكانت البداية بزيارة لسنو قام بها كل من القاضي إياد بردان ومحمدصميلي، حيث جرى الاتفاق على تشكيل "خلية سنو للتمديد"، للانتقام من الكردي بسبب موقفه من فيصل سنو بأزمة المقاصد، وبدأ العمل على صياغة سيناريو التمديد.. والعمل على حشد المؤيدين.
الرئيس فؤاد السنيورة لم يكن متحمساً لطرح التمديد في ذلك الوقت، حيث أكد أنه اتصل بالمفتي قبل الجلسة وقال له: "على شو مستعجل، باقي سنة و 8 شهور، وعنا وقت، وكل شيء بوقته منيح".
وأضاف: "ساخرج ببيان إلى الإعلام اذا مضيت بالموضوع". وهذا ما حصل، وخرج السنيورة ببيان ضد ما حصل في الجلسة.
في السياق نفسه، نائب رئيس المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى آنذاك، الوزير عمر مسقاوي رفض حضور جلسة التمديد، بعدما استقبل في منزله بطرابلس وفداً من "خلية سنو للتمديد" الذين حاولوا إقناعه بالمشاركة، إلا أنه رفض بشكل قاطع، معتبراً أن "لا تعديل ولا تمديد"، وأنّ عقد جلسة من هذا النوع في نهاية ولاية المجلس يشكل "تصرفاً غير مسؤول". ونقل مقربون ارتفاع صوت مسقاوي بوجه الوفد. أدى هذا الموقف لاحقاً إلى فتور العلاقة بينه وبين المفتي، وصولاً إلى انقطاع التواصل بينهما.
مصادر حيادية متابعة تشير إلى أنّ جلسة التمديد كانت آخر جلسة المجلس الشرعي المنتخب بين عامي 2019 و2023، وكان بالإمكان، برأي المعترضين، ترك الملف للمجلس الجديد.
جلسة من دون محضر
شوائب كثيرة رافقت جلسة المجلس الشرعي الأعلى المخصصة للتمديد أبرزها:
1- قيام أحد الموظفين البارزين في الدار بالاشارة الى بعض أعضاء المجلس بأنّ المملكة العربية السعودية تريد التمديد، وهو أمر غير صحيح. وقد أكد عضو المجلس الشيخ فؤاد زراد للعديد من المتابعين حصول هذه الإشارة المختلقة والتي لا صحة لها.
2- غياب رؤساء الحكومات عن الجلسة.
3- خديعة بعض الاعضاء وعددهم (4) بقناعهم بالدخول الى الجلسة على قاعدة أنّّ المفتي يرفض التمديد، ثم أخبروا الجميع أنهم خدعوا وأحرجوهم بعد دخولهم عندما أعادوا طرح. الموضوع.
4- لم تُوجه الدعوة لحضور الجلسة إلى رؤساء الحكومات، وهم أعضاء في المجلس، رغم أنّ العادة قد جرت على أن توجه الدعوة إليهم مرفقة بجدول الاعمال عبر البريد قبل كل جلسة.
وفي تفاصيل ما حصل وفقاً لعدة مصادر تواصل "أيوب" معها، فإنّ المجلس الشرعي يتألف من 32 عضواً منتخباً ومعيناً، إضافة إلى رؤساء الحكومات السابقين بحكم العضوية، وهم نجيب ميقاتي، تمام سلام، فؤاد السنيورة، حسان دياب سليم الحص (توفي عام 2024) وسعد الحريري، إلى جانب مفتي الجمهورية، أي ما مجموعه 39 عضواً.
انعقاد الجلسة كان يتطلب حضور ثلاثة أرباع الأعضاء، أي 30 عضواً، في حين لم يحضر سوى 25 عضواً إضافة إلى المفتي، مع غياب عمر مسقاوي، عبد الحفيظ منصور، فؤاد الزراد، وسيم مغربل، أمير رعد، مصطفى خير، إلى جانب شغور المقعد الذي كان يشغله المرحوم عبد الإله ميقاتي.
عدد الحاضرين في بداية الجلسة كان أقل من العدد الذي اعتمد لاحقاً، وأن عدداً من الأعضاء كانوا خارج القاعة قبل أن تتم دعوتهم للدخول بعد نقاشات داخلية، ليعاد بعدها طرح اقتراح تعديل السن القانونية وإقراره.
لا يقتصر الجدل على النصاب، حيث طلب مجلس شورى الدولة خلال نظره بالطعن الاطلاع على محضر اجتماع اللجنة التشريعية برئاسة الشيخ محمد عساف، باعتباره من الإجراءات المسبقة لانعقاد المجلس الشرعي.
غير أنّ مقدمي الطعن يؤكدون أن هذا الاجتماع لم يُعقد أساساً، وأن ما جرى اقتصر على سؤال أعضاء اللجنة خلال جلسة المجلس عما إذا كان لديهم اعتراض، ثم اعتبار ذلك بمثابة موافقة، من دون اجتماع مستقل أو محضر أصولي.
الممددون وأعوانهم إلتقوا عند هدف واحد، وهو الحيلولة دون وصول أمين الكردي إلى موقع الإفتاء، الأمر الذي دفع رئيس المحكمة الشرعية الشيخ محمد عساف، رغم وضعه الصحي، إلى حضور الاجتماع لإدارة اللجنة التشريعية، بحسب رواية المعترضين، من دون دعوة جميع الأعضاء أو إعداد جدول أعمال وفق الأصول، وهو ما يعتبرونه أولى الثغرات القانونية التي سبقت جلسة التمديد، قبل أن تضاف إليها، بحسب رأيهم، إشكالية النصاب.
تشير المصادر القضائية إلى أن هذا هو السبب الذي يدفع مجلس شورى الدولة إلى الإصرار على الحصول على كامل محاضر الاجتماعات المرتبطة بالتعديل، في محاولة للتثبت من سلامة الإجراءات القانونية التي سبقت إقراره.
جلسة التمديد لم تنته دون صفقة لتأمين النصاب فتعديل النظام لم يقتصر على ولاية مفتي الجمهورية، بل شمل أيضاً مفتي المناطق، إذ رُفعت سن تقاعد مفتي الجمهورية من 72 إلى 76 عاماً، كما رُفعت سن تقاعد مفتي المناطق من 70 إلى 72 عاماً، بعد مطالبة، واشتراط من المفتي الشيخ حسن دله بشمولهم بالتعديل.
*غداً في الحلقة الثالثة: الفرسان الثلاثة والطعن بالتمديد (3/4)
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



