خاص أيوب


التمديد للمفتي: الفرسان الثلاثة والطعن (3/4)

السبت 8 آب 2026 - 0:01

كتب (أيوب)

هذه الحلقة الثالثة يهديها "أيوب" إلى روح الشيخ جميل عيتاني، ابن هذه العائلة البيروتية العريقة، الذي كان السبّاق إلى قول "لا" للتمديد، لأنه اعتاد ألّا يسكت عن مخالفة قانونية مهما كان حجمها أو صاحبها. وها هو الطعن الذي شارك الشيخ جميل في صياغته قبل وفاته يملأ الدنيا ويشغل الناس.

بينما كان العشرات من الفعاليات السياسية والدينية والمجتمعية يتقاطرون إلى دار الفتوى لتقديم التهنئة إلى مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان بقرار المجلس الشرعي التمديد له، كان ثلاثة علماء من بيروت يرفعون الصوت بـ"لا" كبيرة، ليس خصومةً مع المفتي دريان، وهم يحملون له كل التقدير والاحترام، بل رفضاً لخرق القانون وتحصيناً لمرجعية دار الفتوى بما تمثله لدى المسلمين في لبنان.

الفرسان الثلاثة

تشارك المشايخ أبناء بيروت، القاضي همام الشعار، وجميل عيتاني، والقاضي عبد العزيز الشافعي، في الدعوة إلى إصلاح المؤسسة الدينية منذ بداية تحصيلهم العلم الشرعي في كلية الشريعة التابعة لدار الفتوى في عائشة بكار. ثم تحولت هذه الغاية إلى ممارسة فعلية من خلال عملهم في دار الفتوى والمحاكم الشرعية. ولما تبيّن لهم أن الكلام الوعظي المجرد ليس كافياً، نشطوا في العمل القضائي والمطالبات الجماعية.

وقد كان القاضي عبد العزيز الشافعي السبّاق في اللجوء إلى القضاء الإداري، فتقدّم، مع رفقاء له، بطعن في نتائج مباراة دورة القضاء الشرعي عام 2000، عندما تم ترسيبه في الدورة بعد أن كان الأول في الاختبار الشفهي، استناداً إلى قرار رئيس المحاكم الشيخ مفيد شلق والنائب العام سمير عاليه.

ثم تقدّم القاضيان الشعار والشافعي بدعوى محاسبة المفتي قباني بعد الفضيحة التي أثيرت حول تبديد أموال وقف العلماء على يد ابن المفتي السابق، على اعتبار أن مكان المحاسبة الحقيقي لمتولي الوقف هو المحكمة الشرعية، وليس وسائل إعلام 14 آذار و8 آذار، وذلك تحت شعار:"حرروا دار الفتوى".

ثم خاض المشايخ الثلاثة، الشعار والشافعي والعيتاني، معركة انتخابات مفتي الجمهورية، داعمين القاضي الشيخ أحمد درويش الكردي في مواجهة تيار المستقبل والمفتي الحالي دريان، معتبرين أن الإصلاح لا يكون بتعيين مفتٍ محسوب على حزب سياسي.

ثم تحركوا مجدداً عند صدور الحكم عن المحكمة الشرعية السنية العليا في دعوى وقف البر والإحسان - الجامعة العربية، وكان أبرزهم القاضي الشافعي في ملاحظاته القانونية الناقدة للعيوب الجوهرية والإجرائية التي اعترت الحكم. فتقدّم القاضي محمد عساف بشكوى ضده أمام التفتيش القضائي بحجة أنه يهين مقام المحكمة الشرعية في تعليقاته اللاذعة على تلك الأخطاء، وقام المفتش (س. ص.) باقتراح إحالته إلى المجلس التأديبي دفاعاً عن مقام المحكمة الشرعية.

بعد اكتشاف التجاوزات القانونية التي حصلت في جلسة التمديد للمفتي دريان، والتي كانت تعمل عليها "خلية سنو للتمديد"، كان المشايخ الثلاثة، بالتنسيق مع أعضاء المجلس الشرعي المعارضين، وعلى رأسهم الشيخ فؤاد زراد، قد حاولوا كسر نصاب الجلسة الذي يحتاج، بحسب نص القانون، إلى حضور ثلاثين عضواً لجلسة تعديل المرسوم الاشتراعي الرقم 18. إلا أن فقدان النصاب لم يمنع من استصدار قرار التمديد.وهنا قرر المشايخ الثلاثة استكمال الخطوة التالية لمعارضة التمديد، بالتجهيز لتقديم الطعن أمام مجلس شورى الدولة.فتولى القاضي الشعار التواصل مع عدد كبير من القضاة الشرعيين لدعوتهم إلى المشاركة في الطعن، إلا أنهم اعتذروا، ولا سيما القضاة من خارج بيروت، إذ قال البعض: "أنتم أهل بيروت أدرى بهذه الأمور".

وبقي الأمر في حالة ترقب حتى قام المفتي بنشر القرار في الجريدة الرسمية، فقام المشايخ الثلاثة بتجهيز الطعن، وانتظروا محاولة أخيرة لمنع هذه المواجهة، بطلب من المفتي دريان شخصياً التراجع عن القرار لعدم قانونيته، خلال اجتماع القضاة معه، إلا أن المفتي دريان أجاب بأنه ليس معنياً بالتمديد، وأنه لم يكن يريده.

تقدّم القاضي الشعار بكتاب إلى أمين عام المجلس الشرعي بواسطة كاتب العدل، يطلب فيه تزويده بنسخة عن قرار التمديد، لرغبته في الطعن به، إلا أنه لم يُسلَّم نسخةً منه.

فتقدّم الثلاثة بالطعن في قرار التمديد أمام مجلس شورى الدولة، بموجب استدعاء هو أشبه بدراسة قانونية ناقشت الشكل والأساس، واستندت إلى أسباب عديدة، أهمها انعدام القرار لصدوره عن مجلس منعقد خلافاً للأصول، وبطلانه لعدم مراعاة القاضي عساف، رئيس اللجنة التشريعية، أصول إجراءات اللجنة. وطلبوا من مجلس شورى الدولة إلزام إدارة المجلس الشرعي بضم مستندات ملف التمديد، وتحفظوا لتقديم دعوى تزوير أمام القضاء المختص في التلاعب الذي حصل في كتابة المحاضر بعد جلسة التمديد، إذ تم توثيق حالة حصلت لاستدراك نسيان توقيع مسودة جلسة التمديد، حتى مع غياب النصاب.

توطدت العلاقة بشكل كبير بين المفتي دريان والقاضي السابق إياد البردان خلال فترة التحضير للتمديد، إذ قام البردان بمجهود كبير في التسويق لفكرة التمديد لدى أعضاء المجلس الشرعي، موحياً بأن الرغبة السعودية تتجه في هذا الاتجاه. وما إن تم التمديد حتى عُيّن القاضي مفتشاً على القضاة الشرعيين بتزكية مباشرة من المفتي.

تسارعت بعدها الأحداث، ولا سيما بعد إقدام القاضي الشيخ همام الشعار، مع آخرين، على التقدّم بطعن في قرار التمديد أمام القضاء، الأمر الذي دفع القاضي البردان إلى المسارعة لاستدعاء القاضي الشعار إلى جلسة في ملف حرّكه على عجل.

رفض القاضي الشعار حضور الجلسة، مشيراً إلى أنه يعلو القاضي البردان في الدرجات، وأن هذا الأمر يستوجب أن يتولى التحقيق معه قاضٍ مفتش أعلى منه درجة. واستحكم الكباش بين الاثنين، مع إصرار القاضي البردان على أن هذه القاعدة تطبق بين القضاة العدليين فقط، وبالتالي يجوز للقاضي العدلي الأدنى درجة أن يحقق مع قاضٍ شرعي يعلوه درجة.الاستهداف لم يتوقف هنا. بل نُقل القاضيان الشعار والشافعي من مركز عملهما في بعبدا وبيروت في التشكيلات القضائية الشرعية إلى حاصبيا وصيدا.

وتقدّم القاضي الشعار إلى أمين عام مجلس الوزراء القاضي محمود مكية بكتاب خطي، طلب فيه من الأخير أن يوجّه إلى هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل سؤالاً للحصول على الرأي القانوني الصحيح في النزاع القائم بينه وبين القاضي البردان.

امتنع القاضي مكية عن تحويل الطلب إلى وزارة العدل، إلى أن تدخل الشيخ الزراد لدى الرئيس نجيب ميقاتي، الذي أعطى تعليماته للقاضي مكية بتحويل الكتاب، فتم ذلك.

وأصدرت هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل رأياً قانونياً، موقعاً من رئيستها القاضية جويل فواز، وعضوية القاضيين محمد فواز وندى غمرة، حسمت فيه المسألة المختلف عليها، مؤكدة عدم جواز أن يقوم القاضي العدلي إياد البردان بالتفتيش على القاضي الشرعي همام الشعار، على اعتبار أنه أدنى منه درجة.

تدخل حينها القاضي محمود مكية مع مدير عام وزارة العدل القاضي محمد المصري، وطلب من الأخير أن يمارس صلاحيته بطلب إعادة نظر من الهيئة، فتم تقديم طلب إعادة نظر شارك في صياغته القاضي مكية، ونقيب المحامين الأسبق محمد المراد، والقاضي إياد البردان شخصياً، إلا أن الهيئة عادت وأكدت رأيها السابق، الأمر الذي دفع القاضي المصري إلى تجميد الرأيين، ما انعكس على مسار التفتيش على القاضي الشعار، الذي توقف بدوره عند هذا الحد.خلال الدعوى توفي الشيخ جميل عيتاني بنوبة قلبية مفاجئة فوقّع الشيخ ابراهيم بيضون ابن بيروت على دعوى الطعن مكان الشيخ جميل.

ساءل البعض المشايخ الثلاثة: لماذا تقدموا بالطعن، خاصة أنهم ليسوا طلاب مناصب؟ فأجابوا: إن ما نشأوا عليه من السيرة النبوية وسيرة الصحابة والخلفاء الراشدين يجعل مسيرتهم في الأمر بالمعروف وتصحيح الانحرافات والمخالفات التي يراها البعض شيئاً عادياً مسألةً ضرورية.

أما مرجعية سياسية كبرى، فعندما سُئلت: لماذا كان القضاة الثلاثة من بيروت هم من تقدموا بالطعن؟ أجابت:"إنها بيروت، المدينة التي تحاسب من يخرق القانون."

غداً في الحلقة الرابعة: ميقاتي السري والسنيورة الاستعراضي(4/4)



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة