خاص أيوب


التمديد للمفتي: ميقاتي السرّي والسنيورة الاستعراضي(4/4)

الأحد 9 آب 2026 - 0:00

 

كتب (أيوب)

عند كل أزمة سنّية يظهر دوران لا يغيبان أبداً: الأول هو الدور السرّي للرئيس نجيب ميقاتي، والثاني هو الدور الاستعراضي للرئيس فؤاد السنيورة.

حاضر دائماً الرئيس ميقاتي في كل الأزمات والتجاذبات السنّية، وإن أنكر ذلك على الدوام. يتحرّك هنا وهناك ويوعز لهذا أو لذاك من دون شوشرة ولا إعلان. فهو الذي يصف نفسه بأنه دائماً على الحياد وفي الوسط دون انحياز، أما الواقع فيقول عكس ذلك. الرجل لديه ما يقوله ويسعى لأشياء وأشياء.

فيما الرئيس فؤاد السنيورة، ومنذ فترة طويلة، وتحديداً منذ خروجه من السراي الحكومي الكبير، يهوى الاستعراض والعمل على التواجد في نشرات الأخبار. لا يكلّ ولا يملّ من التصريح، ويحاول لعب أدوار في القرارات التي تخصّ الطائفة، ابتداءً من تشكيل الحكومة، كما حصل مع حكومة الرئيس نواف سلام، مروراً بالتعيينات الأمنية والسياسية، وصولاً إلى الجمعيات الكشفية بكل أنواعها وأشكالها ومناطقها.

يُسجّل للرئيس فؤاد السنيورة أنه كان معارضاً منذ اللحظة الأولى لفكرة التمديد لمفتي الجمهورية، وكما ذُكر في الحلقات السابقة، هاتف المفتي دريان طالباً منه التراجع، وعندما لم ينصت له أصدر بياناً يرفض فيه ما حصل في الدار.

أما الرئيس نجيب ميقاتي فلم يحضر جلسة المجلس الشرعي التي اتُخذ فيها قرار التمديد، ولم يُدعَ بالأساس إليها. وبعض المشايخ المحسوبين عليه، وأولهم الشيخ فؤاد زراد، عارضوا وقاطعوا التمديد. وأكثر من ذلك، عندما تم تحويل القاضيين همام الشعار وعبد العزيز الشافعي إلى التفتيش، رفض التوقيع على القرار.

تمرّ الأيام، ويلوح في الأفق أن مجلس الشورى قاب قوسين أو أدنى من اتخاذ القرار، فينتفض الرئيس نجيب ميقاتي حاملاً لواء "غيرة الدين"، داعياً نادي رؤساء الحكومة إلى الانعقاد في السراي الحكومي للقاء الرئيس نواف سلام، وهو الذي ما زال يسعى ويسعى ويسعى، ويكرّر هذا الفعل عشرات المرات، للعودة إلى السراي الحكومي ليل نهار. لكنه مضطر للاجتماع مع رؤساء الحكومة في السراي، والموضوع: كيف نعطّل قرار مجلس الشورى؟ كيف نمنع هذا القرار؟

اصطدم المجتمعون بأمرين: الأول، عدم القدرة على التأثير على القضاة الكبار، والثاني، أن الأجواء الخارجية لا تحبّذ التدخل في هكذا قرار. فتراجعوا خطوة إلى الوراء. وكما قال أحد رؤساء الحكومة الذين حضروا ذاك الاجتماع، إن الرئيس ميقاتي يضع ثقله في هذا الملف من دون إظهار سبب هذا الخيار.وعندما أدركوا جميعاً أن قرار مجلس الشورى قادم لا محال، انتقل الرئيسان نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة إلى الخطة "ب". فتشاوروا بعقد جلسة للمجلس الشرعي الأعلى بحضور رؤساء الحكومة وبغطاء منهم، على أن يتم التمديد في هذه الجلسة للمفتي دريان. وبذلك يكونون قد التفّوا على قرار مجلس الشورى.

وعندما استشاروا أهل القانون والدستور، أشاروا عليهم باستبعاد الأمر، لأن القانون لا يعترف بهكذا خطوة، حيث لا يمكن التمديد لمن انقطعت ولايته، وأن هكذا إجراء تجاوزه الزمن بوضوح.

وبعد فشل الخيار الثاني، لجأ الرئيسان ميقاتي والسنيورة إلى الخيار الثالث، كلّ على طريقته ووفقاً لماهية دوره: ميقاتي بالسرّية، طارحاً سلسلة من الأسماء لخلافة المفتي دريان. أما الرئيس فؤاد السنيورة فاستنهض مجموعة من بعض الساسة والناشطين، فيها صديق عمره الوزير خالد قباني وبعض الرفاق القدامى، فأصدروا بياناً بمثابة رسالة لم يحدّدوا فيها الجهة التي كُتب إليها هذا الكلام، طارحين فيها اسم أحد القضاة السابقين، واضعين شعار أن اقتراحهم يهدف إلى إطلاق مرحلة الإصلاح والانفتاح.

"أيوب" ينأى بنفسه عن ذكر الأسماء التي رشّحها كلّ من الرئيسين، بدايةً لأن المرشحين المذكورين لم يعلنوا ترشيحهم أو قبولهم لهذا الخيار، وثانياً لأنّ الدخول في لعبة الأسماء هرطقة لا تليق بموقع الإفتاء.

إلا أن السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: ما علاقة الرئيسين نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة بمهمة البحث عن اسم لمفتي الجمهورية اللبنانية؟ ألا يدركان أن مفتي الجمهورية اللبنانية هو مفتي بيروت، وقد اعتُمد منذ إعلان دولة لبنان الكبير أن يكون مفتي بيروت هو مفتي الجمهورية اللبنانية؟

ألم يقرّر الرئيس نجيب ميقاتي أن يكون المفتي محمد إمام مفتياً لطرابلس والشمال، ولم يعارضه أحد من بيروت، ولم يتدخل بيروتي في هذا الأمر، بل الجميع التزم بما اتفق عليه الرئيس ميقاتي مع فعاليات طرابلس والشمال؟

ألم يتمسّك الرئيس فؤاد السنيورة ببقاء المفتي سليم سوسان على رأس إفتاء صيدا، ولم يتدخل أبناء بيروت وفعالياتها بهذا القرار الذي اتفق عليه الرئيس السنيورة مع السيدة بهية الحريري، فكان لهم ما أرادوا من دون تدخل أي إنسان؟فما بالهم يتدخلون باختيار مفتي بيروت، الذي هو مفتي الجمهورية؟

قد يقول قائل إن الهيئة الناخبة للمفتي من كل المناطق اللبنانية ومحافظاتها، وهذا صحيح، لكن الشخص الذي يتم انتخابه يجب أن يحظى بتزكية بيروتية صرفة، لا شائبة فيها ولا مصالح ملتبسة فيها. هكذا هو العُرف، وهكذا بدأ اعتماد منصب مفتي جمهورية لبنان عندما مُنح اللقب لمفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا، دون لبس ودون اعتراض.

أن يسكن الشخص في بيروت فهو أمر يشرّف المدينة ويشرّف ساكنها، لكن للضيف مناقب يجب عليه ألا يتجاوزها. فتلك أخلاق سنّة لبنان في طرابلس وصيدا وعرسال والبقاع، وأيضاً وأيضاً في بيروت، تلك المدينة التي، كما قلنا في خاتمة الحلقة الثالثة، تحاسب من يتجاوز القانون والعُرف وحقوق أبنائها الكرام.

استعرض "أيوب" أزمة التمديد لمفتي الجمهورية من باب الحرص على موقع دار الفتوى الوطني والإسلامي، هادفاً إلى حثّ كافة الأفرقاء والفعاليات السنّية على إيجاد حلّ لهذه الأزمة، والحل يبدأ من موقف مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، الذي صدر في بيان قبل جلسة التمديد بدقائق، وأعلن فيه عدم رغبته في تمديد ولايته.

من هنا تُرسم صورة واجبات كافة الفعاليات السياسية والدينية والاجتماعية السنّية، وعلى رأسها الرئيس تمام سلام، بما يمثّله من قيمة وطنية وإسلامية وبيروتية معتدلة، بالعمل على إيجاد حلّ يحفظ كرامة الدار وكرامة مفتي الدار، والكرامتان تختصران كرامة السنّة في لبنان.

آن الأوان أن نلتقي جميعاً لمصلحة المسلمين، ولتعزيز الخطاب الديني الثابت والصلب والمعتدل، وتطوير الإدارة، واستثمار الوقف لما فيه خير الأمة، وعودة دار الفتوى إلى لعب دورها الطبيعي والوطني على كافة الأصعدة.

وللكلام تتمّة...



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة