خاص أيوب


قانون العفو: الحزب والتيار وفقدان العقل السياسي

الخميس 13 آب 2026 - 0:00

كتب (أيوب)

حقيقتان ترسختا في جلسة إقرار قانون العفو في مجلس النواب:

1- أنّ التيار الوطني الحر لا يملك الرؤية السياسية لفتح صفحة جديدة مع أحد أهم شركائه في الوطن.

2- أنّ حزب الله يفتقد إلى العقل السياسي، إذ سنحت له فرصة تاريخية لفتح صفحة جديدة مع السنّة في لبنان، فإذا به يحرق هذه الفرصة ويهشمها.

نجح مجلس النواب، بعد مخاض سياسي وتشريعي طويل ومعالجة الهواجس المرتبطة بموقف المؤسسة العسكرية، في إقرار اقتراح قانون العفو العام وتخفيض مدة بعض العقوبات بصورة استثنائية، رغم انسحاب نواب التيار الوطني الحر وكتلة الوفاء للمقاومة.

من 11 إلى 12 آب... ساعات حاسمة

لم يصل قانون العفو إلى خواتيمه بسهولة.فجلسة 11 آب شهدت نقاشات وسجالات طويلة حول الصيغة المطروحة، قبل أن تتوقف المناقشات وتدخل الاتصالات السياسية على الخط.

في اليوم التالي، عاد المجلس إلى مناقشة الاقتراح، قبل أن يقره معدّلًا، منهياً بذلك مسارًا استمر سنوات من الطروحات والمفاوضات والاعتراضات.لكن المشهد الأبرز سياسيًا سبق التصويت.نواب التيار الوطني الحر انسحبوا اعتراضًا على عدم دخول وزير الدفاع ميشال منسى إلى الجلسة لإبداء موقفه، ثم لحق بهم نواب كتلة الوفاء للمقاومة، معلنين السبب نفسه.هنا تحديدًا بدأت السياسة تتقدم على التفاصيل القانونية.

شكّل موقف المؤسسة العسكرية إحدى العقد الأساسية التي رافقت قانون العفو، خصوصًا بسبب حساسية أي معالجة تشمل محكومين أو موقوفين في ملفات مرتبطة بالاعتداء على الجيش أو المواجهات معه.

وكانت قيادة الجيش قد أبدت ملاحظاتها خلال المراحل السابقة من مناقشة القانون، فيما أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن موقف المؤسسة العسكرية سبق أن عُرض أمام اللجان النيابية عبر وزير الدفاع، وأن مذكرة خطية قُدمت وفق الأصول.بذلك تحولت مسألة حضور وزير الدفاع إلى الجلسة وإلقائه كلمة إلى نقطة اشتباك سياسية، انتهت بانسحاب نواب التيار وحزب الله.

العفو... مطلب سنّي قديم

خلف النقاش القانوني والعسكري قصة سياسية أطول.فقضية الموقوفين الإسلاميين تحولت على مدى سنوات إلى أحد أكثر الملفات حساسية داخل الشارع السنّي، ولا سيما في طرابلس وعكار والبقاع وصيدا.

وتراكم الملف مع مرور السنوات، بين موقوفين طالت محاكماتهم، ومحكومين بعقوبات مرتفعة، ومطالبات سياسية ودينية وشعبية بإيجاد حل يحفظ في الوقت نفسه حقوق المؤسسة العسكرية ودماء شهدائها.لهذا السبب لم يكن قانون العفو بالنسبة إلى جزء كبير من الشارع السنّي مجرد بند تشريعي.كان قضية سياسية واجتماعية وإنسانية.وكان أيضًا اختبارًا لمواقف القوى الأخرى من مطلب ظل حاضرًا لسنوات.

حزب الله... الفرصة التي لم تُلتقط

من هنا يمكن قراءة موقف حزب الله بأبعاد تتجاوز سبب الانسحاب المعلن.

فالحزب كان أمام فرصة سياسية نادرة.في مرحلة يعاد فيها رسم الكثير من العلاقات الداخلية، كان بإمكانه البقاء في الجلسة والمساهمة في إقرار القانون، وتحويل موقفه إلى رسالة سياسية مباشرة إلى السنّة تقول إن مرحلة جديدة يمكن أن تبدأ.

الخلاف بين حزب الله وشرائح واسعة من البيئة السنّية لم يولد مع قانون العفو، بل تراكم عبر محطات سياسية وأمنية وإقليمية امتدت سنوات.وكان القانون قادرًا، ولو رمزيًا، على كسر جزء من هذا الجدار.لكن الحزب اختار الانسحاب.وهنا تكمن خسارة الفرصة.

التيار... الحسابات نفسها

الأمر نفسه ينطبق، وإن من زاوية مختلفة، على التيار الوطني الحر.فعلاقة التيار بالشارع السنّي مرت خلال السنوات الماضية بمراحل شديدة التوتر، وخصوصًا خلال عهد الرئيس ميشال عون والصراعات السياسية التي رافقت تشكيل الحكومات والعلاقة مع رؤساء الحكومات والقوى السنّية.

وكان العفو يشكل مناسبة للتيار ليقدم خطابًا وممارسة مختلفين.أي أن يقول إنه مستعد لفتح صفحة جديدة بعيدًا عن حسابات الماضي.إلا أن قرار الانسحاب أعاد إنتاج الصورة السياسية القديمة بدل كسرها

هنا تحديدًا سقط القناع، فحين جاءت لحظة الاختبار الفعلي، لم تعد المواقف تُقاس بالخطابات والتصريحات، بل بما جرى داخل الهيئة العامة. انسحب التيار الوطني الحر، ولحق به نواب حزب الله، فيما مضى المجلس في إقرار العفو. وبصرف النظر عن المبررات التي قدّمها الطرفان للانسحاب، فإن الصورة السياسية التي وصلت إلى الشارع السنّي كانت أقوى من أي تبرير: فرصة لفتح صفحة جديدة كانت متاحة، لكنهما اختارا عدم البقاء في القاعة حتى النهاية..

القانون أكبر من عدد المستفيدين

أهمية العفو لا تتوقف عند عدد الذين سيخرجون من السجون أو الذين ستخفض عقوباتهم.فالقانون يمنح عفوًا عامًا عن فئات يشملها النص، إلى جانب تخفيض استثنائي لبعض العقوبات، مع استثناءات وضوابط مرتبطة بطبيعة الجرائم.هذا يعني أن مرحلة ما بعد الإقرار ستنتقل من مجلس النواب إلى التطبيق القضائي، وتحديد الحالات التي تنطبق عليها أحكام القانون فعليًا.لذلك فإن الحديث عن خروج جميع الموقوفين الإسلاميين دفعة واحدة ليس دقيقًا، إذ تختلف أوضاعهم القانونية والأحكام والجرائم المنسوبة إليهم.

وما إن أُعلن إقرار القانون حتى ظهرت ردود فعل في الشارع، ولا سيما في طرابلس، حيث وُزعت الحلويات ابتهاجًا بإقرار العفو، كما سجلت أجواء فرح داخل سجن رومية.

وحدها هذه المشاهد تكشف حجم البعد الاجتماعي والسياسي للقانون.

فما كان بالنسبة إلى مجلس النواب مواد وفقرات واستثناءات، كان بالنسبة إلى عائلات كثيرة ملفًا انتظرته سنوات.

بري ينجز الملف

في المحصلة، استطاع رئيس مجلس النواب نبيه بري الوصول بالاقتراح إلى التصويت بعد سنوات من تعثر ملف العفو وتضارب الحسابات حوله.

ومع إقراره، طُويت مرحلة من النقاش التشريعي، لكن مرحلة سياسية جديدة بدأت.

فالأسئلة بعد الجلسة لم تعد محصورة بمن شمله العفو ومن استُثني منه.السؤال أصبح: من ربح سياسيًا ومن خسر؟

السنّة والعفو... بداية لا نهاية

بالنسبة إلى الشارع السنّي، إقرار القانون يمثل تحقيق جزء من مطلب قديم، لكنه لا ينهي النقاش حول الأسباب التي أدت أساسًا إلى بقاء الملف مفتوحًا كل هذه السنوات.أما بالنسبة إلى القوى السياسية، فقد شكلت الجلسة اختبارًا لقدرتها على التقاط اللحظة.

كان أمام حزب الله فرصة لمد اليد إلى السنّة.وكان أمام التيار الوطني الحر فرصة لفتح نافذة سياسية جديدة معهم.لكن الاثنين غادرا القاعة.مرّ القانون من دونهما.وبقيت صورة سياسية يصعب تجاهلها: مجلس النواب أقر أحد أكثر الملفات ارتباطًا بالشارع السنّي، فيما كان نواب حزب الله والتيار الوطني الحر خارج الجلسة.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة