السبت 12 أيلول 2026 - 0:00
كتب (أيوب)
هل باتت السياسة مجرد صورة عند أنصار تيار المستقبل؟ أم أن هناك من يستغل تلك العواطف التي يحملها بسطاء الناس تجاه شخص الرئيس سعد الحريري؟
هناك من نشر الصورة، نقلاً عن حساب تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية، إما عن سوء نية ومؤامرة على سعد الحريري قبل أنصاره، وإما عن غباء منقطع النظير، ومؤشر إلى أنه لا يدرك من السياسة وتفاصيلها شيئاً. وهناك من تلقّف تلك الصورة، وهؤلاء نوعان: الأول محبّ مشتاق إلى سعد الحريري وأخباره، والثاني قال في سريرته: عاد زمننا، زمن الفوائد والمكاسب والعطايا.
هكذا فعلوا عندما نُشر مقال في صحيفة "عكاظ" السعودية لكاتب مصري، فطبّلوا وزمّروا، قبل أن يُسحب المقال، لا بل العدد الورقي نفسه، فانكفأوا وانزووا، وكأن ملحاً إنجليزياً رُشّ عليهم. واليوم، بعدما سحب تركي آل الشيخ الصورة من حسابه على تطبيق "إنستغرام"، عاد زمن الملح الإنجليزي، واختفى الذباب الإلكتروني بعدما توعّد وساجل وجادل وهدّد خلال ساعات من ليل الخميس الفائت.
هل يعود سعد؟
بعيداً عن المقال السابق والصورة، رحمهما الله، ما يجب قوله وتأكيده أن سعد الحريري بإمكانه العودة إلى لبنان متى قرر ذلك. الأمر ليس متعلقاً بأحد، لا بشخص ولا بدولة ولا بمرجعية، كبرت أم صغرت. الأمر متعلق بسعد الحريري نفسه. هو من قرر الانسحاب، وهو من يقرر العودة، وفقاً لحساباته المالية أولاً، ثم العائلية والصحية، وآخرها السياسية.
لم ينكفئ سعد الحريري في أبو ظبي، مقيماً في أحد فنادقها، لأن أحداً طلب منه ذلك. ذهب إلى هناك بعدما وصلت خياراته المالية، قبل السياسية، إلى حائط مسدود وفشل ذريع. الرجل لم يعد قادراً على الإنفاق على تياره. هذه الحقيقة يعرفها الكثيرون، ونقولها الآن على الملأ.
لم يُمنع من الانتخابات، ومن لا يصدق فليسأل صديقه أحمد هاشمية، الذي سُئل مرات ومرات عن سبب الانكفاء عن الانتخابات. لم يُمنع سعد الحريري من الصولات والجولات. وما اعتدنا يوماً أن يكون صاحب صولات وجولات، إلى أن اختفى لأنه لم يعد قادراً على تحمّل أعباء تياره، المالية وغير المالية.
لو كان سعد الحريري ممنوعاً من السياسة، لما كان بإمكانه أن يحضر إلى بيروت كل سنة في 14 شباط، ولما كان بإمكانه أن يلقي تلك الخطابات الواعدة والمتوعّدة، والحاملة لشعارات ومفردات مثل «جاهزون» و«راغبون» و«قادرون»...
على أهلنا وناسنا المحبين لسعد الحريري أن يدركوا أن الصورة لا تصنع سياسة، وأن المقالة لا تصنع زعيماً، وأن سحب المقالة يؤذي أكثر من نشرها، كما أن سحب الصورة يؤذي أكثر من نشر الصورة نفسها.
راهنوا على العمل السياسي لا على الصور، وعلى التراكم في العمل السياسي لا على المقالات. راكموا بين الناس فكراً وعقيدة. اصنعوا تياراً سياسياً بكل ما للكلمة من معنى، يعرف ما يريد وكيف يحقق ما يريد، لا تياراً انتخابياً، كما وصفه قيادي كبير من بين صفوفكم. اصنعوا فكرة يؤمن بها الناس، يعملون من أجلها ويناضلون لتحقيقها.
السياسة لا تُبنى بصورة، ولا تُستعاد بمقالة، ولا تُختصر بإشارة من هنا أو لقاء من هناك. السياسة فعل يومي، وتراكم، وفكرة، وتنظيم، وحضور بين الناس. ومن يريد استعادة موقعه لا ينتظر الآخرين كي يمنحوه هذا الموقع، بل يصنعه بنفسه.
لا أحد يموت
في السياسة اللبنانية، أيها الأحبة، لا أحد يموت. حتى من يُدفن تحت التراب يبقى حاضراً في السياسة. وبالتالي، لا أحد يستطيع إلغاء سعد الحريري إلا سعد الحريري، ولا أحد يستطيع إعادة سعد الحريري إلا سعد الحريري.
والسؤال الذي يجب على الجميع أن يطرحه على نفسه، وعلى سعد الحريري أيضاً: هل ما زال سعد الحريري هو سعد الحريري؟ أي: هل ما زال سعد الحريري يريد أن يكون سعد الحريري؟
هنا تكمن المسألة كلها.
فالمشكلة ليست في صورة نُشرت ثم سُحبت، ولا في مقالة ظهرت ثم اختفت، ولا في إشارات يحاول البعض أن يبني عليها أحلام العودة. المسألة في القرار نفسه: هل يريد سعد العودة إلى السياسة؟ وهل يريد تيار المستقبل أن يكون تياراً سياسياً حقيقياً، أم أن يبقى في غرفة الانتظار مترقباً عودة زعيمه؟
عند الإجابة عن هذين السؤالين، يمكن عندها أن نتحدث عن الصور والمقالات، إن لم يتم سحبها.
سياسي بيروتي عتيق، وفي جلسة كان حديثها عن الصورة وأوهامها، قال ساخراً: "لعل تركي آل الشيخ أراد انتقاد صديقه، فوضع صورته مع سعد الحريري".
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



