الخميس 18 حزيران 2026 - 0:02
كتب (عامر أمين ارناؤوط)
ما لفت انتباهي في قراءات متعددة للفسلفة الفكرية المجتمعية فكرتان:
فكرة أطلقها المفكر العالمي الجزائري مالك بن نبي، ومفادها أن الاستعمار ليس مجرد احتلال عسكري، أو هيمنة سياسية، بل إن وجوده يصبح ممكناً، عندما تتوافر في المجتمع حالة من "القابلية للاستعمار"، والمقصود منها ضعف الإرادة الحضارية، وتفكك القيم، وانتشار التخلف الفكري، والإجتماعي وفقدان روح المبادرة، إضافة لضياع وتلاشي الهوية الوطنية.
لذلك، كان يؤكد أن تحرير الأرض لا يكتمل إلا بتحرير الإنسان، وبناء الوعي، والثقافة، والعمل المنتج.
الفكرة الثانية، من مصطلح "قابلية الاستعمار" جاءت في سياق تحليل ابن خلدون لمفهوم الدولة والعمران.
فالدولة، عنده تنهض بفضل العصبية، والقوة، والتماسك الإجتماعي، وارتفاع منسوب الإنتماء الوطني، وتنحل بخلاف ذلك.
انطلاقاً من الفكرتين السابقتين، وبإزاء ما نراه، ونشاهده بأم العين في لبنان، من انتشار لرايات وأعلام كل الدول المشاركة في المونديال وبكثافة، ربما تتجاوز الرايات التي يحملها المشجعون لبلادهم داخل أسوار ملاعبهم الخاصة.
فضلاً عن المسيرات السيارة، العابرة للمناطق، والانقسامات العامودية، التي تحمل رايات المونديال بالظاهر، وتختزن البغضاء، والطائفية المقيتة، والإنقسام المجنون بين أبناء الوطن الواحد.
حقاً إن لبنان يضم في جنباته جمهوراً ولا يحتوي في أرجائه شعباً واحداً.
نحن لسنا أكثر من جماهير تصفق، وتتبع كل "ناعق" كما أخبر الامام علي بن أبي طالب، أما الشعوب المحترمة، التي تعيش معنى احتفالية المونديال، فانظروا إلى شوارعها، ومقاهيها، وأنديتها، فإنها لا ترفع إلا راية واحدة، وعلماً واحداً، هو علم بلادها.
في المونديال الماضي، كنت في زيارة إلى تركيا، وأردت أن اشاهد مباراة لإحدى الفرق التي أتابع أداءها فذهبت إلى مقهى مشهور في اسطنبول فيه شاشة ضخمة تنقل المونديال، وهو مكتظ بالزبائن الاتراك، لكن وجدت نفسي وحيداً أنظر الى التلفاز، وكان غالبية الأتراك منهمكين في مواضيعهم الخاصة وكأنه لا مونديال يعرض أمامهم، ولا مباراة تأخذ اهتمامهم، ولما سألت عن ذلك: قال لي أحد الأتراك: ولماذا ننظر؟ وهل تركيا تلعب حتى نهتم؟!
في عودة إلى الجمهور اللبناني، رسالة من القلب إلى القلب، فلنتحول إلى شعب يعيش معنى الانتماء إلى الأرض، ولا نكون جمهوراً يصفق لمجرد التصفيق.
إن المونديال مناسبة عالمية، إنما جعلت من أجل التقريب بين الشعوب قبل الحرب العالمية الثانية، ولم تجعل من أجل أن تؤكد سيادة هذه الشعوب على أوطان غيرها.
هكذا يجب أن تكون الوطنية... وهكذا يجب أن يبني العقل اللبناني، والنشء اللبناني.
أما الدولة.... فإذا كانت حاضرة فهي كشرطي السير لتنظيم الأزمة ليس إلا.
أما دورها الوطني، فأعتقد أنها لا تستطيع أن تعطيه لاحد لأنها فاقدة للاهلية بالاصل.
نعود إلى فكرة مالك بن نبي، إننا في لبنان شعب عنده قابلية للاستعمار، نقدّر كل شيء من الخارج، ونشرك كل الناس في أمورنا ونصفق لكل الناس إلا لبلدنا.
عاش لبنان وطناً للاحرار وللبنانيين الشرفاء فقط لا غير.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



