خاص أيوب


هل تلتزم إسرائيل باتفاق واشنطن – طهران؟

الثلاثاء 16 حزيران 2026 - 0:00

 

خاص (أيوب)

مع الإعلان عن الاتفاق الأميركي – الإيراني، دخلت المنطقة مرحلة سياسية جديدة لا تزال ملامحها الأولى قيد التشكّل. فالاتفاق الذي يُفترض أن يفتح الباب أمام خفض التوتر بين واشنطن وطهران، لا يقتصر تأثيره على الملف النووي أو العلاقات الثنائية بين الطرفين، بل يمتد حكماً إلى ساحات الاشتباك الإقليمي، وفي مقدمها لبنان وسوريا والعراق واليمن، حيث يبرز السؤال الأهم: هل تلتزم إسرائيل بهذا الاتفاق، أم تتعامل معه باعتباره تهديداً لمصالحها الأمنية والاستراتيجية؟

هذا السؤال لا يبدو تفصيلاً عابراً، لأن إسرائيل كانت دائماً الطرف الأكثر حساسية تجاه أي تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران. فمن وجهة نظر تل أبيب، لا تكمن المشكلة في البرنامج النووي الإيراني وحده، بل في ما تسميه “التمدد الإيراني” عبر أذرع عسكرية وسياسية في المنطقة. لذلك، فإن أي اتفاق لا يتناول نفوذ طهران الإقليمي ولا يحدّ من قدرة حلفائها على الحركة، سيبقى بالنسبة إلى إسرائيل اتفاقاً ناقصاً، وربما خطيراً.

من هنا، يمكن فهم البرودة الإسرائيلية حيال الاتفاق. فتل أبيب لا تريد أن تجد نفسها أمام تسوية كبرى تعيد إيران إلى موقع اللاعب المقبول دولياً، من دون أن تدفع ثمناً فعلياً في ساحات النفوذ. كما تخشى إسرائيل أن يؤدي رفع الضغط عن طهران إلى منحها فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، سواء على المستوى الاقتصادي أو العسكري أو السياسي.

في المقابل، تراهن إيران وحلفاؤها على أن الاتفاق سيؤسس لقواعد جديدة في المنطقة. فاختيار واشنطن طريق التفاهم بدلاً من المواجهة يعني، بالنسبة إلى هذا الفريق، أن الولايات المتحدة باتت معنية بمنع انهيار الاتفاق عند أول اختبار. وهذا يفرض، نظرياً، ضوابط على الحركة الإسرائيلية، خصوصاً إذا كانت أي عملية عسكرية واسعة قادرة على إشعال جبهة لبنان أو دفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.

لبنان سيكون أحد أبرز ميادين اختبار الاتفاق. فإسرائيل، التي تواصل التعامل مع الجبهة اللبنانية كملف أمني مفتوح، قد لا تكون مستعدة للتراجع سريعاً عن سياسة الضربات والضغوط. وهي تعتبر أن أي تهدئة لا تضمن إبعاد الخطر عن حدودها الشمالية تبقى تهدئة هشة. لذلك، قد تحاول تل أبيب الفصل بين الاتفاق الأميركي – الإيراني وبين ما تعتبره “حقها” في العمل العسكري ضد “حزب الله” أو ضد أي بنية عسكرية تراها تهديداً مباشراً.

لكن هذا الفصل لن يكون سهلاً. فإذا أرادت واشنطن حماية الاتفاق، ستكون مضطرة إلى منع أي تصعيد كبير قد ينسفه. وهذا يعني أن إسرائيل قد تجد نفسها أمام هامش حركة أضيق من السابق، ليس لأن تل أبيب اقتنعت بالاتفاق، بل لأن الإدارة الأميركية لن تكون راغبة في السماح بتفجير مسار تفاوضي كبير بعد إنجازه.

على هذا الأساس، يمكن القول إن الالتزام الإسرائيلي، إذا حصل، لن يكون التزاماً سياسياً كاملاً، بل التزاماً اضطرارياً ومحسوباً. أي أن إسرائيل قد تتجنب الحرب الواسعة أو الضربات التي تؤدي إلى انهيار الاتفاق، لكنها في الوقت نفسه ستبقي على أدوات الضغط قائمة، من خلال عمليات محدودة، ورسائل أمنية، وتهديدات سياسية، ومحاولات فرض وقائع ميدانية قبل تثبيت قواعد المرحلة الجديدة.

وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة. فإسرائيل قد لا تسعى إلى إسقاط الاتفاق مباشرة، لكنها قد تعمل على تعديله ميدانياً. بمعنى آخر، قد تحاول رفع كلفة الاتفاق على إيران وحلفائها، أو اختبار حدود الصبر الأميركي، أو دفع واشنطن إلى إضافة شروط أمنية غير مكتوبة تتعلق بلبنان وسوريا وسلاح "الحزب".

في المقابل، ستسعى طهران إلى تقديم نفسها كطرف ملتزم، لكنها لن تقبل، على الأرجح، بأن يتحول الاتفاق إلى غطاء لاستمرار الضربات الإسرائيلية ضد حلفائها. فإذا شعرت إيران أن إسرائيل تستخدم التفاهم لتثبيت مكاسب ميدانية جديدة، فقد تلجأ إلى الرد غير المباشر أو إلى تحريك أوراق ضغط محسوبة، من دون الذهاب إلى مواجهة شاملة.

أما واشنطن، فستكون أمام امتحان صعب. فهي مطالبة من جهة بطمأنة إسرائيل وعدم الظهور بمظهر من يتجاهل هواجسها الأمنية، ومطالبة من جهة ثانية بضمان عدم تفجير الاتفاق الذي أنجزته مع طهران. وهذا التوازن سيكون دقيقاً للغاية، لأن أي تساهل زائد مع إسرائيل قد يدفع إيران إلى التشكيك في جدية الاتفاق، وأي ضغط زائد على إسرائيل قد يفتح أزمة سياسية بين واشنطن وتل أبيب.

لذلك، فإن المرحلة المقبلة لن تُقاس بالتصريحات فقط، بل بما سيجري على الأرض. فإذا تراجعت العمليات العسكرية، وانخفض منسوب التوتر على الجبهات، وبدأ الحديث عن ترتيبات أمنية أوسع، يمكن عندها القول إن الاتفاق بدأ يفرض إيقاعه على الإقليم. أما إذا استمرت الضربات بوتيرة مرتفعة، أو توسعت العمليات في لبنان وسوريا، فسيكون ذلك مؤشراً إلى أن إسرائيل قررت التعامل مع الاتفاق كأمر واقع قابل للاختراق لا كمسار ملزم.

الخلاصة أن إسرائيل لن تلتزم باتفاق واشنطن – طهران حباً به أو اقتناعاً بمضمونه، بل بقدر ما تفرضه عليها الولايات المتحدة وموازين القوى. والسيناريو الأكثر ترجيحاً هو التزام جزئي ومشروط: لا حرب واسعة، ولا قبول كامل بالتهدئة. لا إسقاط مباشر للاتفاق، ولا تسليم كامل بنتائجه.

وبين الرغبة الأميركية في تثبيت مسار التفاهم، والقلق الإسرائيلي من صعود الدور الإيراني مجدداً، ورهان طهران على ترجمة الاتفاق تهدئةً إقليمية، تقف المنطقة أمام اختبار بالغ الحساسية. فإما أن يتحول الاتفاق إلى بداية مرحلة جديدة من الضبط السياسي والأمني، وإما أن يبقى مجرد هدنة مؤقتة فوق جمر الصراع المفتوح.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة