الاثنين 15 حزيران 2026 - 0:01
خاص (أيوب)
عاد الدخان ليرتفع فوق الضاحية الجنوبية لبيروت أمس الأحد وعادت معه الأسئلة نفسها التي لم تجد أجوبة حاسمة منذ اندلاع المواجهة الأخيرة: هل بات لبنان جزءاً من أي تفاهم أميركي – إيراني مرتقب؟ أم أنّ الساحة اللبنانية ما زالت ورقة تفاوض مفتوحة تستخدمها الأطراف الإقليمية والدولية لتحسين شروطها قبل الوصول إلى أي اتفاق نهائي؟
الاستهداف الإسرائيلي الأخير للضاحية الجنوبية لم يكن حدثاً أمنياً عادياً. فالضاحية تمثل، منذ سنوات، أحد أكثر العناوين حساسية في الصراع الدائر بين إسرائيل و"الحزب "، وأي استهداف مباشر لها يحمل بالضرورة رسائل سياسية تتجاوز البعد العسكري المباشر.
وجاءت الغارة في توقيت بالغ الدقة، مع تصاعد الحديث عن اقتراب واشنطن وطهران من التوصل إلى تفاهم إطار جديد ينظم العلاقة بين الطرفين ويضع حدوداً للتوتر الإقليمي. لذلك، فإن عودة الضاحية إلى دائرة الاستهداف تطرح تساؤلات جدية حول موقع لبنان داخل هذا المسار التفاوضي.
في الأشهر الماضية، ساد اعتقاد لدى جزء من الطبقة السياسية اللبنانية بأن أي تفاهم أميركي – إيراني سينعكس حكماً على لبنان عبر تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة الهدوء إلى الجبهة الجنوبية. إلا أنّ الوقائع الميدانية لا تزال تشير إلى مسار مختلف. فالغارات الإسرائيلية مستمرة، والاغتيالات لم تتوقف، والضغوط العسكرية تتصاعد بوتيرة متدرجة، ما يوحي بأن الملف اللبناني لم يُحسم بعد ضمن أي سلة تفاهمات نهائية.
وتشير أوساط سياسية مطلعة إلى أنّ الأولوية الأميركية في التفاوض مع إيران تتركز حالياً على الملفات النووية والإقليمية الكبرى، فيما يبقى الملف اللبناني خاضعاً لمسار تفاوضي منفصل يرتبط بمستقبل الحدود الجنوبية، ودور "حزب الله"، وآلية تنفيذ القرارات الدولية، وعلى رأسها القرار 1701.
من جهة أخرى، يبدو أن إسرائيل تسعى إلى استثمار المرحلة الانتقالية الحالية لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الميدانية والسياسية. فتل أبيب تدرك أن أي اتفاق إقليمي واسع قد يفرض لاحقاً قيوداً على حرية حركتها العسكرية، ولذلك تعمل على تكريس وقائع جديدة على الأرض قبل الوصول إلى لحظة التسوية.
وفي المقابل، يرفض "الحزب" التعامل مع أي ترتيبات أمنية أو سياسية لا تتضمن وقفاً شاملاً للاعتداءات الإسرائيلية وانسحاباً كاملاً من الأراضي التي تحتلها إسرائيل. كما يرى الحزب أنّ أي محاولة لفصل الساحة اللبنانية عن بقية الملفات الإقليمية ستؤدي إلى فرض وقائع جديدة على لبنان من موقع الضعف.
هذا المشهد يضع الدولة اللبنانية أمام تحدٍ بالغ الصعوبة. فمن جهة، تسعى الرئاسة اللبنانية والحكومة إلى الاستفادة من المناخ الدولي الداعم لمسار التفاوض من أجل تثبيت الاستقرار واستعادة دور المؤسسات الشرعية. ومن جهة أخرى، تجد نفسها عاجزة عن التحكم الكامل بمسار الأحداث الميدانية التي ما زالت تخضع لحسابات إقليمية ودولية أكبر من قدرة لبنان على التأثير فيها.
أما السؤال الأهم، فهو إلى أين تتجه الأمور؟
السيناريو الأول يتمثل في استمرار التصعيد العسكري ضمن سقوف محددة، بحيث تستمر الضربات المتبادلة والضغوط السياسية بالتوازي مع استمرار المفاوضات الأميركية – الإيرانية.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على نجاح المسار التفاوضي وولادة تفاهم أوسع يشمل لبنان بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما يؤدي إلى تثبيت وقف شامل لإطلاق النار وإطلاق مرحلة جديدة من الترتيبات الأمنية والسياسية.
في حين يبقى السيناريو الثالث، والأكثر خطورة، مرتبطاً بفشل التفاوض وانهيار الجهود الدبلوماسية، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع يصعب احتواء تداعياتها على لبنان والمنطقة.
حتى الآن، لا يبدو أن أياً من الأطراف حسم خياره النهائي. لكن المؤكد أن الضاحية الجنوبية لم تُستهدف بمعزل عن السياق الإقليمي العام، وأن الرسائل التي حملتها الغارة الأخيرة تتجاوز حدود بيروت والجنوب، لتصل مباشرة إلى طاولة المفاوضات المفتوحة بين واشنطن وطهران.
ولهذا السبب، فإن السؤال لم يعد فقط: أين لبنان من الاتفاق الأميركي – الإيراني؟ بل أصبح أيضاً: هل سيكون لبنان أحد المستفيدين من هذا الاتفاق، أم إحدى أوراقه التفاوضية؟
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



