الاثنين 12 تشرين الأول 2026 - 0:01
كتب (المحامي محمد مكي)
لم يعد موضوع تمديد ولاية مفتي الجمهورية اللبنانية، الشيخ عبد اللطيف دريان، مجرد مسألة تتصل بمدة ولاية شخصية دينية، بل أصبح قضية قانونية ومؤسساتية تثير جملة من المسائل الدقيقة حول صلاحيات المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، ونصاب انعقاده، وأصول اتخاذ قراراته، وحدود رقابة مجلس شورى الدولة على أعمال المؤسسات ذات الطابع الديني.
تكتسب هذه القضية أهمية خاصة لكونها ترتبط مباشرة بقرار المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى رقم 55، تاريخ 9/9/2023، الذي عدّل سن انتهاء ولاية مفتي الجمهورية، وما تبع ذلك من مراجعة إبطال أمام مجلس شورى الدولة.
قرار 9 أيلول 2023
بتاريخ 9 أيلول 2023، انعقد المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وجرت مناقشة تعديل سن انتهاء ولاية مفتي الجمهورية.
انتهت الجلسة إلى اتخاذ القرار رقم 55/2023، الذي قضى برفع سن انتهاء ولاية مفتي الجمهورية إلى 76 عاماً، الأمر الذي أتاح استمرار ولاية المفتي الشيخ عبد اللطيف دريان بعد السن التي كانت معتمدة سابقاً.وقد شكّل هذا القرار نقطة الانطلاق للنزاع القانوني الذي وصل إلى مجلس شورى الدولة.
لم يكن الخلاف مقتصراً على مضمون القرار، أي رفع سن انتهاء الولاية، بل انصبّ أيضاً على الطريقة التي اتُّخذ بها، والأصول التي رافقت انعقاد الجلسة والتصويت عليه.
بتاريخ 8 كانون الأول 2023، تقدّم القضاة الشرعيون:الشيخ همام عفيف الشعار، الشيخ عبد العزيز أحمد الشافعي، الشيخ جميل إبراهيم العيتاني.
بمراجعة أمام مجلس شورى الدولة، سُجّلت تحت الرقم 138/2023، طالبوا فيها بإبطال القرار رقم 55، تاريخ 9/9/2023.
استند الطعن، بحسب ما ورد في المراجعة والمستندات المتداولة في الملف، إلى مجموعة من الأسباب القانونية والإجرائية، وفي طليعتها المسائل المتعلقة بالنصاب، وجدول الأعمال، وأصول انعقاد المجلس، وطريقة طرح الموضوع ومناقشته، والأكثرية اللازمة لاتخاذ القرار.كما أُثيرت مسألة تجاوز حدّ السلطة، ومدى جواز تعديل القواعد التي ترعى ولاية مفتي الجمهورية بموجب قرار صادر عن المجلس الشرعي.
كيف صدر القرار؟
إن إحدى أهم النقاط في هذا النزاع لا تتعلق فقط بمعرفة مضمون القرار رقم 55، بل أيضاً بكيفية صدوره.
ففي المنازعات المتعلقة بمشروعية القرارات الإدارية، لا يكفي أن تكون الغاية من القرار مشروعة، بل يجب أن يصدر عن المرجع المختص، ووفق الإجراءات والأصول التي يفرضها القانون.من هنا، اكتسبت مسألة محضر جلسة 9 أيلول 2023، وأسماء الحاضرين والمتغيبين، وكيفية التصويت، أهمية خاصة.التحقق من النصاب والأكثرية لا يمكن أن يستند إلى مجرد بيانات إعلامية أو مواقف سياسية، بل يجب أن يستند إلى المستندات الرسمية الموجودة في الملف الإداري.لهذا السبب، اكتسب طلب مجلس شورى الدولة إبراز الملف الإداري ومحاضر الجلسات أهمية محورية في النزاع.
أثناء سير المراجعة أمام مجلس شورى الدولة، توفي القاضي الشيخ جميل إبراهيم العيتاني بتاريخ 18 كانون الثاني 2025.وأُثيرت تبعاً لذلك مسألة استمرار الخصومة، وانتهى المسار القضائي إلى متابعة المراجعة من قبل القاضيين همام الشعار وعبد العزيز الشافعي، باعتبار أن مراجعة الإبطال هي مراجعة موضوعية تتعلق بمشروعية القرار المطعون فيه.هكذا، استمر النزاع القضائي رغم وفاة أحد المستدعين الأصليين.
في سياق التحقيق الإداري الذي أجراه مجلس شورى الدولة، طُلبت المستندات والوثائق المتعلقة بالقرار المطعون فيه، ولا سيما محضر جلسة 9 أيلول 2023، والوثائق المتصلة بطرح تعديل سن الولاية وأصول إقراره.هنا تظهر أهمية القضاء الإداري في مراقبة مشروعية القرار الإداري، إذ إن مجلس شورى الدولة لا ينظر فقط في النتيجة التي توصّل إليها المرجع الإداري، بل يستطيع، ضمن حدود اختصاصه، أن يبحث في:
- الاختصاص.
- الشكل والأصول.
- السبب والمحل.
- الغاية.
- مدى احترام القواعد القانونية.
في 24 حزيران 2026، صدر القرار رقم 325/2025-2026 في المسألة الإجرائية المرتبطة باستئناف المجلس الشرعي، وقد تناول مسألة إيداع الملف والمستندات المطلوبة أمام مجلس شورى الدولة.تبلّغ المجلس الشرعي القرار بتاريخ 28 تموز 2026، وفق ما ورد في المستندات والتقارير المنشورة حول الملف.
تكتسب هذه الواقعة أهمية خاصة، لأنها تؤكد أن مسألة المستندات الإدارية ومحاضر الجلسات لم تكن مسألة شكلية هامشية، بل ارتبطت مباشرة بقدرة القضاء على ممارسة رقابته على مشروعية القرار المطعون فيه.
تقرير المستشارة المقررة ومطالعة مفوض الحكومة
لاحقاً، أُنجز تقرير المستشارة المقررة لدى مجلس شورى الدولة، القاضية رانيا أبو زين.
وبحسب ما نُشر عن التقرير، اتجهت المستشارة المقررة إلى قبول المراجعة وإبطال القرار رقم 55، تاريخ 9/9/2023.كما جاءت مطالعة مفوض الحكومة لدى مجلس شورى الدولة، القاضية فريال دلول، مؤيدة للاتجاه القاضي بإبطال القرار.
هنا لا بد من التأكيد على قاعدة قانونية أساسية، وهي أن تقرير المستشار المقرر ومطالعة مفوض الحكومة لا يشكّلان حكماً قضائياً نهائياً.فالقرار النهائي في مراجعة الإبطال يعود إلى الهيئة القضائية المختصة في مجلس شورى الدولة.بالتالي، فإن الاتجاه نحو الإبطال، مهما بلغت أهميته القانونية، لا يعني بحد ذاته أن القرار رقم 55 أصبح ملغى بموجب حكم نهائي، ما لم يصدر الحكم عن مجلس شورى الدولة.
في تقديري، يتجاوز جوهر القضية مسألة "تمديد ولاية مفتي الجمهورية". فالسؤال الحقيقي هو: هل صدر القرار رقم 55 عن المرجع المختص، وبالنصاب القانوني المطلوب، ووفق الأصول والإجراءات المفروضة؟ وهل كان للمجلس الشرعي أن يعدّل سن انتهاء ولاية المفتي بالطريقة التي اعتمدها؟
يفرض هذا السؤال بحثاً متكاملاً في النصوص التي ترعى عمل المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وفي المرسوم الاشتراعي رقم 18/1955، وفي القواعد التي تحكم انتخاب المفتي وتحديد ولايته.
كما يطرح سؤالاً آخر لا يقل أهمية: إلى أي مدى تخضع قرارات المؤسسات الدينية للرقابة القضائية الإدارية، وما الحد الفاصل بين الاستقلالية الدينية ومبدأ المشروعية؟
إن استقلالية المؤسسة الدينية في إدارة شؤونها لا تعني، من حيث المبدأ، أن كل قرار يصدر عنها يصبح بمنأى عن أي رقابة قضائية.فالتمييز يجب أن يكون واضحاً بين الاستقلال في ممارسة الاختصاصات الدينية، من جهة، والالتزام بالقواعد القانونية التي ترعى ممارسة هذه الاختصاصات، من جهة أخرى.فمتى كان القرار ذا طبيعة إدارية وخاضعاً للقواعد القانونية، يصبح السؤال متعلقاً بحدود اختصاص القضاء الإداري في مراقبة مشروعيته، من دون أن يعني ذلك تدخلاً في الشأن الديني بحد ذاته.
ما التداعيات المحتملة للحكم النهائي؟
إذا انتهى مجلس شورى الدولة، في حكمه النهائي، إلى إبطال القرار رقم 55، فإن الأثر الأساسي سيكون سقوط السند القانوني الذي استند إليه تمديد سن ولاية المفتي دريان إلى 76 عاماً.عندها، ستبرز مسائل تنفيذ الحكم وآثاره على المركز القانوني للمفتي، وعلى وضع دار الفتوى، وعلى آلية انتخاب مفتي جديد، والجهة التي تتولى إدارة المرحلة الانتقالية.أما إذا قرر مجلس شورى الدولة ردّ المراجعة، فيبقى القرار رقم 55 قائماً ضمن الحدود التي يحددها الحكم وأسبابه.لذلك، لا ينبغي استباق النتيجة القانونية إعلامياً قبل صدور الحكم النهائي.
ختاماً، أصبحت قضية تمديد ولاية مفتي الجمهورية، الشيخ عبد اللطيف دريان، قضية قانونية ومؤسساتية تتجاوز الأشخاص.هي تختبر في الوقت نفسه حدود صلاحيات المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وأصول انعقاد جلساته، والنصاب والأكثرية المطلوبة لاتخاذ القرارات، ومدى احترام جدول الأعمال والإجراءات، وحدود رقابة مجلس شورى الدولة على القرارات ذات الصلة بالمؤسسات الدينية.
من هنا، فإن أهمية الحكم المنتظر لا تقتصر على تحديد مصير تمديد ولاية المفتي دريان، بل قد تمتد آثاره إلى تحديد قواعد التعامل مستقبلاً مع القرارات الصادرة عن المؤسسات ذات الطبيعة الدينية والإدارية في لبنان.
في النهاية، يبقى المبدأ الأهم أن شرعية أي قرار لا تُقاس فقط بالغاية التي يسعى إلى تحقيقها، وإنما أيضاً بالمرجع الذي أصدره، والاختصاص الذي استند إليه، والنصاب والأصول التي اتُّبعت في إصداره.ويبقى لمجلس شورى الدولة، باعتباره القضاء الإداري المختص، أن يقول كلمته النهائية في مدى مشروعية القرار رقم 55، تاريخ 9/9/2023.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



