الثلاثاء 14 نيسان 2026 - 0:00
خاص (أيوب)
قيادة تفتقر إلى الرؤية، بل ينعدم فيها الإبداع. يظن زعيم الحزب أو من يقف وراءه، أنه باتّباعه الخطوات نفسها حرفياً في حرب تموز 2006، في مواجهة الجيش الإسرائيلي، وما بعدها في الداخل ضد حكومة فؤاد السنيورة، وبقيادة الزعيم السابق السيد حسن نصر الله، يمكنه تحقيق "النصر الإلهي" نفسه، لكن ضد رئيس الحكومة نواف سلام. صحيح أن الحرب آنذاك، بدأت بمبادرة من الحزب كمثل هذه الحرب التي هي الجولة الثانية من الحرب التي بدأها الحزب في 8 تشرين الأول 2023، بوصفها حرب إسناد غزة، وبدأت هذه الجولة في 2 آذار الماضي، بوصفها حرب إسناد إيران، أي لم تكن مقاومة وطنية ضد عدوان إسرائيلي، بل اندراجاً في حرب إقليمية لا دخل للدولة اللبنانية بها، في حين أن حرب 2006 كانت تحت عنوان استخلاص أسرى لبنانيين، انطلقت بعملية محدودة على الحدود لأسر جنود إسرائيليين، وتوسعت لتصبح حرباً على لبنان.
إلا أن الجامع الحقيقي بين 2006 و2023-2026، هو أن حزب الله في الحرب الأولى، كان يحاول تحقيق أهداف داخلية؛ كمثل تجاوز قضية اغتيال رفيق الحريري، قبل عام من تلك الحرب، وبدء جلسات الحوار في آذار 2006 لمناقشة كل القضايا الخلافية، ومنها سلاح الحزب. في حين أن الحرب الحالية أو الجولة الثانية منها، تتضمن أهدافاً خارجية وداخلية، وإذا كان البُعد الخارجي هو إسناد إيران في حرب وجودية دفاعاً عن النظام فيها، فإن البُعد الداخلي هو استعادة شرعية المقاومة من خارج سلطة الدولة وقرارها، بمعنى العودة إلى ما قبل 8 تشرين الأول 2023.
وكما انقلب الحزب على حكومة السنيورة فور إعلان القرار الدولي 1701، ظنت القيادة الحالية للحزب، أن التاريخ يمكن أن يعيد نفسه، ويتحقق النصر كمثل الذي وقع على يدي نصر الله؛ لهذا لوحظ أن ترتيب الوقائع يُعمل قصداً على استنساخه، للإيحاء للجمهور الموالي، بأنها هذه المرة، سيتم تجاوز أخطاء عام 2024، والتي أفضت إلى الإضرار بقوة الحزب وموارده البشرية والمالية، والانتقاص من دوره ومكانته وهيبته، وحتى اضطراره إلى التعاون نسبياً مع الجيش لإخلاء جنوب الليطاني من السلاح. فمن الإيهام بإحياء معادلة الردع بالصواريخ فضلاً عن المسيّرات، والتصعيد التدريجي باستخدام الأسلحة، من حيث المدى، والقوة، وصولاً إلى محاولة ضرب بارجة إسرائيلية بصاروخ أرض-بحر، ومحاولات متكررة لاستخدام صواريخ أرض-جو، لعل وعسى تنجح محاولة ما فترتفع المعنويات، وأخيراً، التعويل على المعركة البرية لتدمير إرادة القتال عند العدو، كما حدث في معركة وادي الحجير عام 2006.
هذا كله، لا يراعي تغير المعطيات بمرور عشرين سنة، فتكنولوجيات الحرب تطورت كثيراً، وبات الذكاء الاصطناعي سيد الموقف، وأضحت المسيرات هي السلاح الرئيسي في الميدان، كما هو الحال في أوكرانيا منذ الهجوم الروسي الشامل عليها عام 2022. صحيح أن الحزب أثبت قدرة ملحوظة في الإفادة من دروس الجولة الأولى من هذه الحرب، وهو ما أشار إليه الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم، من مثل اعتماد المرونة في القتال، وتغيير المواقع باستمرار، وتوافر إرادة قتالية أوضح مما كانت عليه العام الماضي، إلا أن إسرائيل أفادت أيضاً من دروس لبنان وغزة، لا سيما حربها الأخيرة في القطاع، من أجل تبني أسلوب خاص في المعركة البرية، هو على العكس تماماً من الأسلوب الإسرائيلي الكلاسيكي أي "الحرب الخاطفة"، فها هي حكومة نتنياهو تصرف سنتين للقتال في غزة، واكتفت باحتلال شطر القطاع مباشرة، والسيطرة النارية على الشطر الثاني، وهو ما يجري تنفيذه في الجنوب اللبناني. ولم تعد الخسائر المادية والبشرية الإسرائيلية عائقاً أمام متابعة الحرب حتى نهاياتها المرجوة مهما طال الوقت، وهذا ما يجعل إعلان النصر صعباً على المقاومة في الجنوب، كمثل صعوبة إعلان النصر من الجانب الإسرائيلي، مع الفارق الهائل في الخسائر بين الجانبين.
من أجل ذلك، لم يبق أمام الحزب سوى الخطوة الأخيرة لإعلان النصر، وهي إسقاط حكومة الرئيس نواف سلام. هذه المرة، لا يمكن ادعاء "النصر الإلهي" في الميدان؛ وعلى الرغم من خوض الحرب بالتنسيق التام مع إيران، وإطلاق آلاف الصواريخ والمسيّرات نحو فلسطين المحتلة من لبنان، غير أن كل هذا الجهد لم يوفر الأمان لبيروت وضاحيتها فضلاً عن سائر المناطق، وفشلت الصواريخ مرة أخرى في ردع إسرائيل. قد يكون الحزب واقعياً إلى درجة أنه لم يكن يتوقع إلحاق الهزيمة بإسرائيل في هذه الحرب أيضاً، إلا أنه كان ينوي في حقيقة الأمر الانتصار على الحكومة اللبنانية وإسقاط قراراتها، وأولها حصر السلاح بيد الدولة، ومن دون ذلك لا نصر من أي نوع.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



