خاص أيوب


المفتي في دمشق: أفول حلف الاقليات

الجمعه 4 تموز 2025 - 0:00

كتب (نبيل شحاده)

يزور  مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان على رأس وفد من العلماء السبت المقبل، العاصمة السورية، دمشق، ويلتقي الرئيس السوري احمد الشرع، في زيارة هي الأولى من نوعها لممثّل المسلمين السنّة في لبنان الى سوريا منذ الزيارة الأخيرة للمفتي الشيخ محمد رشيد قباني في آب عام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والتي أثارت في وقتها انتقادات واسعة من قبل القاعدة الشعبية السنّية وقيادات حزبية سيادية، واعتبرها الكثيرون خطأًً لا يُغتفر، وظهرت وكأن الهدف منها منح صك براءة لبشار الأسد ونظامه من دماء الرئيس رفيق الحريري وكل من قُتل معه. وهنا نتوقف قليلاً مع أهم الاسباب التي دعت الى معارضة زيارة المفتي قباني:

أولاً: التوقيت السياسي الحرج بعد اغتيال الحريري، والاتهامات السياسية والشعبية الواسعة إلى النظام السوري بالوقوف وراء عملية الاغتيال و قبل صدور أي تقارير او نتائج تحقيق رسمية، واعتبرها كثيرون بمثابة إهانة لمشاعر السنّة اللبنانيين الذين كانوا يرون في النظام السوري آنذاك خصماً متوحشاً، بل ومتّهماً أساسياً بالجريمة النكراء.

ثانياً: ظهرت الزيارة وكأنها محاولة تبرئة للنظام السوري، واعادة تطبيع للعلاقة في لحظات حرجة ومؤلمة، حيث كان اللبنانيون، وخصوصاً السنّة منهم، يطالبون بإنهاء هيمنة القبضة السورية على البلاد التي استمرت نحو ثلاثين عاماً حصل فيها ممارسات شاذة, وأضرار واسعة، وامتهان للسيادة اللبنانية، وعمليات اغتيال متعددة طالت شخصيات سنّية مهمة وفاعلة.

ثالثاً: اعتبر كثيرون في ذلك الوقت، أن قباني، وبحكم منصبه الديني والسياسي، ظهرَ وكأنه يتبنّى موقفاً سياسياً قريباً يتماهى مع قوى 8 أذار والنظام السوري، واعتُبر أيضاً خروجاً عن التوجهِ العام للسنّةِ الذين وجدوا أنفسهم بعد اغتيال الحريري أنهم في حالة مواجهة سياسية مفتوحة مع دمشق.

رابعاً: انتقاد زيارة قباني جاء أيضاً على خلفية أنه لم ينسّق مسبقاً مع القيادات السياسية والدينية السنّية في لبنان، وهو لم يُعلم بها أحد بسبب معرفته لمدى المعارضة التي ستواجهه، فكان تحرّكه فردياً ومزعجاً ويخالف المزاج العام في لبنان.

خامساً:أضعفت الزيارة وحدة الموقف السنّي وأحرجت موقع دار الفتوى، فأظهرت انقساماً مفتعلاً داخل الطائفة، وسط معادلة دقيقة مشحونة ومتوترة وحرجة بعد اغتيال شخصية لبنانية كبيرة ومؤثرة وسنّية بحجم رفيق الحريري.

وعلى عكس زيارة قباني، رحبّ السنّة هذه المرة بشكل عام بالاعلان عن زيارة دريان الى دمشق ولقائه الرئيس الشرع، في وقت كان صدى كلام دريان الذي فاجأ الاوساط الشعبية وأروقة مواقع السلطة اللبنانية يتردد وسط حالة اقرب الى الذهول والدهشة حول الأسباب والمعطيات التي دفعت بدريان الى رفع السقف في مواقفه الى هذا الحد، وفي مقدمتها قوله: "ليس لدينا أي مشروع خارج إطار الدولة. نحن جزء من هذه الدولة، ولا دولة من دوننا، ولا دولة بدون أي مكوّن أساسي في هذا البلد". كلام المفتي دريان كان واضحا وحازماً، وكان عاماً وفيه من التخصيص الكثير، وعبّر عن حقيقة خيارات اللبنانين السنّة بأن لا وطن لهم إلا لبنان. حقيقة ثابتة ولكنها ترتبط بتفصيل هام ودائم، بأن لا قيامة لهذا "اللبنان" إلا بمشاركة أساسية ومركزية من المسلمين السنّة، وبحضورهم الحقيقي، ودورهم الريادي، والاعتراف الكامل قولاً وفعلاً، بمساواتهم مع كل اللبنانيين في الحقوق والواجبات.

هذه التوجّهات هي نفسها، رافقت المسلمين السنّة منذ استقلال لبنان في عام 1943، وتطورت في سياق تاريخي وسياسي معقّد رغم ملاحظاتهم حول تأسيس لبنان الكبير، وتفضيلاتهم للاندماج في المحيط العربي، وهم لم يجدوا بأساً أو نقصاً في الانخراط الكامل في مشروع الدولة اللبنانية رغم التهميش في التوازنات الطائفية، فساهموا في بناء المؤسسات الشرعية ودعم مداميكها، وتثبيت وجودها ودورها. ورغم التحديات والاصطفافات الإقليمية، والمخاطر التي أحاطت بهم، تصاعد وعيهم السياسي وتطوّر، وسعوا دومًا إلى تعزيز مكانة الدولة ودور لبنان في محيطه العربي وفي انفتاحه على الغرب، وواجهوا الهيمنة الخارجية والاعتداءات من أي جهة أتت، وباتوا من أبرز المدافعين عن هيبة وسلطة الدولة، ودافعوا بقوة عن الوحدة الوطنية ورفضوا السلاح غير الشرعي والممارسات السياسية الطائفية، حتى أصبح المسلمون السنّة بلا منازع، من أكثر المكوّنات تمسكًا بهذه الجمهورية، ودستورها وقوانينها ومؤسساتها.

ونعود الى زيارة المفتي دريان إلى دمشق، ولقائه المرتقب مع الرئيس الشرع، والذي يُعتبر حدثًا بالغ الرمزية وكثير الاشارات في مرحلة سياسية دقيقة حيث تشهد المنطقة تحوّلات إقليمية لافتة، تعبّرُ عن فتح صفحة جديدة لا سيما بعد انتصار الثورة السورية وعودة النخبة السنّية إلى موقع الصدارة في الحكم في سوريا للمرة الأولى منذ عقود طويلة.  زيارةٌ، تحمل في طياتها أبعادًا سياسية وتاريخية عميقة، وربما تكرّس لاحقًا شراكة دينية ومجتمعية عابرة للحدود ومفيدة للطرفين. كيف لا، وقد اعتبرها كثيرون بأنها صدى نبض طيف واسع من الشارع السني اللبناني الذي عانى في ظل وجود النظام البائد من التهميش والاستهداف والابعاد القسري عن القرار والدور.

وليس من المبالغة أن نقول أن الزيارة ليست منفصلة عن التحوّلات الجارية في الشرق الأوسط، حيث تتجه المنطقة الى صياغة توازنات جديدة، ورؤى متطورة  للعلاقات بين دولها تقوم على التهدئة والسلام والمصالح المتبادلة، وتتجاوز الاستقطابات الحادة التي حكمت العقود الماضية ولم تؤد إلا إلى الفوضى والترهل وسلسلة مشتعلة من  الأزمات المتواصلة.

من هذه الرؤية، يمكنُ اعتبار زيارة المفتي دريان على أنها جزء من هذا المشهد الجديد، الذي يساهم في استقراء نظام إقليمي أكثر تماسكًا ومتوافقاً مع رغبات المجتمع العربي والدولي، وقد يشكل مقدمة لتفاهمات أوسع في ملفات ساخنة متعددة، من إعادة النازحين، إلى الخطاب الديني، ونزع فتائل التوترات مع الدولة السورية الجديدة، واعادة ترتيب أوضاع المسلمين السنّة في المنطقة بهدوء، وصولًا إلى إعادة تشكيل الهوية في شرق المتوسط التي لا تكتمل الا بمعالجة جذرية لموقع ودور الأغلبية السنيّة في دول حصارها، وتمكينها من مواقع القرار في الدولة والاقتصاد والتعليم والإعلام؛ أغلبية سنيّة شكّلت عبر التاريخ باعتدالها وانفتاحها الرافعة الحضارية والسياسية للعالم العربيوما فيه من طوائف وأثنيات.

انها زيارة، ترسم معالم عودة الاعتبار للمكوّن السنّي في المشرق، وتضعه مجدداً في مكانه الصحيح الفاعل والمؤثر، ويكون عنوانها التوازن والتلاقي، لا الاستبعاد والتنازع، وتعلن بكل صراحة بداية أفول تحالف الأقليات الذي خالف التوازنات الديموغرافية والتاريخية، وهمّش الأغلبية السكانية (كما حصل في سوريا والعراق ولبنان)، بل وارتكب بحقها مجازر وحملات اغتيال وتهجير ممنهجة، كما غيّب هذا التحالفُ الشعورَ بالعدالة والمساواة والشراكة، وفتح الباب أمام النزاعات والتوترات الطائفية والانقسامات العميقة، وأوصل لبنان والمنطقة معاً الى الفوضى والتشتت والانهيار الكامل.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة