خاص أيوب


الرئيس والمفتي الغزاوي.. تعزية بأبعاد وطنية

الثلاثاء 8 أيلول 2026 - 0:00

خاص (أيوب)

للمرة الثانية على التوالي، قدّم رئيس الجمهورية العماد جوزف عون واجب التعزية إلى مفتي زحلة والبقاع الشيخ علي الغزاوي بوفاة والده. فبعدما كانت المحطة الأولى في البقاع، كان حضور رئيس الجمهورية أمس إلى مسجد محمد الأمين في قلب بيروت لتقديم التعازي مجدداً لافتاً، ليس فقط من الناحية الاجتماعية، بل لما يحمله من دلالات سياسية ووطنية في هذه المرحلة.

ليس مألوفاً أن يحرص رئيس الجمهورية على تقديم واجب العزاء مرتين للشخص نفسه وفي مناسبتين منفصلتين، الأمر الذي يعكس أولاً طبيعة العلاقة التي تربط الرئيس عون بالمفتي الغزاوي. وللمفارقة، كان الغزاوي في زيارة إلى قصر بعبدا ولقاء مع رئيس الجمهورية عندما تلقّى نبأ وفاة والده، قبل أن يحضر الرئيس شخصياً إلى البقاع لتقديم التعازي، ثم يكرر حضوره في بيروت.

لكنّ المشهد لا يتوقف عند حدود العلاقة الشخصية، إذ يمكن قراءة الحضور الرئاسي أيضاً من زاوية سياسية ووطنية أوسع، تتصل بالرسائل التي يحرص عون على توجيهها إلى مكوّن أساسي من مكونات المعادلة اللبنانية، في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى إعادة بناء جسور الثقة بين الدولة ومختلف شرائح المجتمع اللبناني.

في هذا السياق، يمكن التوقف عند خطوتين بارزتين قام بهما رئيس الجمهورية في المرحلة الأخيرة، وشكلتا، كل واحدة من موقعها، رسالة اطمئنان إلى شركاء أساسيين في الوطن.

الخطوة الأولى: تمثلت في توقيع قانون العفو العام، وهو قرار تجاوز في أبعاده الحسابات السياسية الضيقة، ليحمل رسالة بأن رئاسة الجمهورية هي رئاسة كل لبنان واللبنانيين، وأن موقع الرئاسة الأولى لا يمكن أن يتعامل مع المواطنين انطلاقاً من انتماءاتهم المناطقية أو الطائفية والمذهبية، بل من موقع المسؤولية الوطنية الجامعة.

الخطوة الثانية: جاءت من الباب الاجتماعي، لكنها لا تخلو من دلالات وطنية واضحة، وتمثلت في الاهتمام الذي أبداه الرئيس عون تجاه المفتي الغزاوي، وصولاً إلى حضوره شخصياً مرتين لتقديم واجب التعزية.

الغزاوي ليس مجرد مرجعية دينية محلية في زحلة والبقاع، بل هو شخصية تتمتع بحضور يتجاوز حدود منطقته، وتحظى بمكانة وتقدير لدى شرائح واسعة من اللبنانيين. كما أن له حضوراً معروفاً في العاصمة، إذ خطب على منابر بيروت في أكثر من مناسبة، وكان موضع ترحيب وتقدير من أبنائها وفاعلياتها.

من هنا، اكتسب مشهد مسجد محمد الأمين دلالة إضافية. فحضور رئيس الجمهورية إلى أحد أبرز المعالم الدينية في قلب العاصمة، لتقديم التعزية إلى مفتي زحلة والبقاع، بدا وكأنه يجمع في صورة واحدة أكثر من رسالة: احترام الموقع الديني، وتقدير العلاقة الشخصية، والانفتاح على البيئة التي يمثلها الغزاوي، والتأكيد أن قصر بعبدا معنيّ بجميع اللبنانيين من دون استثناء.

قد تكون المناسبة اجتماعية في شكلها، لكن السياسة في لبنان كثيراً ما تُقرأ أيضاً من خلال الإشارات والمواقف والزيارات. وحين تتكرر الإشارة، تصبح دلالتها أكثر وضوحاً.

عون، من توقيع العفو العام إلى حضوره مرتين إلى جانب المفتي الغزاوي، يبدو حريصاً على تكريس صورة رئاسة الجمهورية كمساحة جامعة، وعلى القول بالفعل قبل الكلام إن الشراكة الوطنية لا تُبنى فقط بالقرارات الكبرى، بل أيضاً بالوقوف إلى جانب اللبنانيين ومكوناتهم في محطاتهم الإنسانية والاجتماعية.

في بلد أنهكته الانقسامات والحساسيات الطائفية والسياسية، قد تكون مثل هذه الخطوات مطلوبة أكثر من أي وقت مضى، لأنها تعيد إلى موقع رئاسة الجمهورية أحد أهم أدواره: أن يكون نقطة التقاء بين اللبنانيين، لا مساحة تضاف إلى مساحات الانقسام بينهم.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة