الأربعاء 7 تشرين الأول 2026 - 0:00
كتب (أيوب)
لم تأتِ زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الرياض في هذا التوقيت من فراغ. فأن يصل الرئيس السوري إلى العاصمة السعودية، ويلتقي الأمير محمد بن سلمان عشية بدء معركة "فجر اليمن"، يحمل في توقيته أكثر من دلالة سياسية، ويفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة المرحلة المقبلة في المنطقة، وما إذا كانت دمشق تستعد للانخراط في شبكة التحالفات العربية الجديدة.
سياسياً، تبدو الزيارة رسالة واضحة إلى أكثر من طرف. سوريا الجديدة، بقيادة الشرع، لا تريد أن تبقى على هامش التحولات الكبرى التي تعصف بالمنطقة، فيما تبدو الرياض مصممة على إعادة ترتيب أوراقها الإقليمية، ليس فقط في اليمن، وإنما في منظومة الأمن العربي برمتها.
لقاء الشرع بمحمد بن سلمان في هذه اللحظة تحديداً يمكن قراءته باعتباره اجتماعاً لتنسيق المواقف قبل مرحلة قد تشهد تغييرات عميقة في موازين القوى. فاليمن لم يعد ملفاً داخلياً، وباب المندب لم يعد مجرد ممر بحري، بل تحول إلى نقطة استراتيجية تتقاطع عندها مصالح الأمن العربي والتجارة الدولية وأمن البحر الأحمر.
من هنا، فإن السؤال الأكثر إثارة ليس لماذا زار الشرع الرياض، وإنما: ماذا أرادت الرياض من هذه الزيارة، وماذا تريد دمشق في المقابل؟
الاحتمال الأول، زيارة سياسية بامتياز، هدفها إعلان وقوف سوريا إلى جانب السعودية في مواجهة التهديدات التي تستهدف أمن المنطقة، من دون أن يعني ذلك دخول الجيش السوري في الحرب. وهذا السيناريو يبدو الأكثر واقعية في المرحلة الأولى، خصوصاً أن أي مشاركة عسكرية مباشرة تحتاج إلى قرار معلن وترتيبات واضحة لا يمكن إخفاؤها طويلاً.
لكن الاحتمال الثاني لا يمكن إسقاطه من الحسابات. فقد تكون الرياض ودمشق تبحثان في مستويات مختلفة من التعاون الأمني والعسكري، تبدأ بالتنسيق السياسي وتبادل المعلومات، وقد تتطور لاحقاً بحسب مسار المعركة واتساعها.
المؤكد أن سوريا تمتلك موقعاً جغرافياً وسياسياً يجعلها رقماً مهماً في أي منظومة أمن عربي جديدة. كما أن السعودية، بحجمها السياسي والعسكري والاقتصادي، قادرة على لعب دور محوري في إعادة دمج دمشق في محيطها العربي.
هنا تكتسب الزيارة أهمية تتجاوز الملف اليمني نفسه. فالرياض قد ترى في دمشق شريكاً عربياً يمكن البناء عليه في مواجهة تمدد النفوذ الإيراني، فيما تبحث دمشق عن تثبيت موقعها داخل النظام العربي الجديد.
أما عسكرياً، فمن المبكر القول إن سوريا ستدخل "فجر اليمن" بقواتها. لا يوجد، حتى الآن، ما يكفي لإثبات ذلك. لكن السياسة لا تبدأ دائماً بإرسال الجنود، أحياناً تبدأ بصورة تجمع قائدين، وباجتماع مغلق، وبإعادة تعريف التحالفات.
لذلك، فإن زيارة الشرع إلى الرياض عشية المعركة قد تكون أهم من مجرد زيارة بروتوكولية. إنها، في جوهرها، اختبار مبكر لشكل الاصطفافات العربية المقبلة.
فإذا بقي الدور السوري سياسياً، فستكون الزيارة إعلاناً عن اصطفاف عربي جديد. أما إذا ظهرت لاحقاً مؤشرات على تعاون أمني أو عسكري مباشر، فإن زيارة الرياض ستُقرأ باعتبارها الخطوة الأولى في بناء تحالف إقليمي جديد.
وبين الاحتمالين، يبقى التوقيت هو الرسالة الأقوى: الشرع في الرياض عشية "فجر اليمن" يعني أن دمشق تريد أن تكون حاضرة عندما يُعاد رسم المشهد العربي، وأن الرياض تنظر إلى سوريا الجديدة باعتبارها جزءاً من الحسابات المقبلة، لا مجرد دولة تراقب الأحداث من بعيد.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



