مجلة تكوين


نظرية السلطة بين الجويني وابن خلدون

الأربعاء 1 تموز 2026 - 0:06

كتب (د. هشام عليوان)

موضوع أطروحتي انيل شهادة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية (شعبة القانون والفقه وأصوله): قراءة نقدية معاصرة، لنظرية السلطة بين الجويني وابن خلدون. وهي دراسة معمّقة لنظرية السلطة في الفكر السياسي الإسلامي من خلال قراءة تحليلية نقدية لمفهومي الشوكة عند إمام الحرمين الجويني، والعصبية عند عبد الرحمن بن خلدون، مع التركيز على طبيعة توظيفهما في الخطاب السياسي الإسلامي ماضياً وراهناً. وهي لم تكن مهمة يسيرة؛ ذلك أن طبيعة البحث اقتضت الاستعانة بعلوم متنوعة قديمة وحديثة، واختصاصات متداخلةٍ مجالاتُها وفضاءاتُها، ومختلفةٍ في مناهجها ومبانيها: كمثل فقه الأحكام السلطانية، وفقه المقاصد الشرعية، والقواعد الفقهية، وأصول الفقه، وعلم النوازل، علم التاريخ، وعلم السياسة، والقانون الدستوري، والفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم الاجتماع السياسي. وهي تجمع بين عَلَمين كبيرين من أعلام الفكر الإسلامي، وبينهما أكثر من ثلاثة قرون. كما تجمع بين عِلْمين مختلفين: فقه الأحكام السلطانية وعلم العمران.

تنطلق الدراسة من أن جزءاً مهماً من الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر يتعامل مع مفهومي الشوكة والعصبية بوصفهما أُسساً للشرعية السياسية الراهنة، مع أن نشأتهما ارتبطت بسياقات تاريخية مخصوصة تميزت بالاضطراب السياسي واختلال نظام الحكم.وهذا ما يدعو إلى أمرين: الأول، تحقيق مناط هذين المفهومين في سياقهما النظري والعملي، والثاني، تجديد مضمونهما بالنظر إلى التطورات الاجتماعية وتبدّل سياقات القوة ونشوء السلطة وسقوطها. وهو ما يتطلب تدقيقاً في مفهوم الدولة في الفضاء الإسلامي المعاصر، بين طغيان مفهوم الدولة الغربي على الخطاب السياسي، وجمود المفهوم الإسلامي القديم للدولة عند الحدود التي وقف عندها قبل قرون.

وهنا تُطرح جملة من الأسئلة سأحاول الإجابة عنها باختصار مكثف، بغية إلقاء ضوء كاشف على الأطروحة، ومبانيها ومعانيها واستدلالاتها ونتائجها.

أولاً، لماذا الجويني؟ ولماذا ابن خلدون؟ ولماذا الجمع بينهما؟

يعكس فقه الأحكام السلطانية للماوردي وأبي يعلى الحنبلي لحظة ضعف مؤسسة الإمامة أو الخلافة، كما يمثل محاولة أخيرة لاحتواء الانشقاق عن الدولة فيما سُمّي بإمارة الاستيلاء، إلا أن الجويني المعاصر لهما يختلف عنهما بابتكار حلول مختلفة أكثر جذرية، وأكثر ثورية، لمعالجة هذا الخلل، وذلك من خلال الاعتراف بذي شوكة أنه صاحب سلطة، وينزع الاعتراف عن الحاكم الفاقد للشوكة، لأنه غير قادر على ممارسة الوظائف المنوطة به، وفق التفصيل الذي أورده في كتابه غياث الأمم في التياث الظُّلَم. ثم إن تدهور الواقع السياسي بعد سقوط الخلافة العباسية في بغداد عام 656هـ/1258م، وانتقالها رمزياً إلى القاهرة، بحماية المماليك، عزّز طرح الجويني، ومنحه زخماً إضافياً، حتى إن الفقهاء المعاصرين لتلك الحِقَب استندوا إلى اجتهادات الجويني، ودور الشوكة في قيام السلطة صعوداً وهبوطاً، لتسويغ شرعية الحكم آنذاك.

أما الفكر السياسي ابن خلدون، فيمثل انعكاساً لتفكك الواقع السياسي في زمانه، بظهور الدول المتناحرة في المغرب الإسلامي، وتطويراً للفكر السياسي للجويني على نحوٍ خاص، باعتبار أنه استند إلى مفهوم الشوكة معززاً إياه بمفهوم العصبية، وكأنه عمل على إكمال النظرية الجوينية وإتمامها، في مجال الأحكام السلطانية، وببُعد آخر عمراني، اجتماعي سياسي، بحيث تصبح نظرية ابن خلدون ذروة الفكر السياسي الإسلامي في العصور الوسطى الإسلامية المتأخرة، وبما يمهّد نظرياً للفكر السياسي الحديث الذي نشأ لاحقاً في عصر النهضة الأوروبية.

ومن هنا، فإن الجمع بين الفقيهين في دراسة واحدة، يرجع إلى أنه لا يمكن الحديث عن أقصى ما بلغته السياسة في المجال الإسلامي، بتناول فقه الجويني وحده، كما لا يمكن الاكتفاء بابن خلدون ونظريته في قيام الدولة وسقوطها، دون العودة إلى مفهوم الشوكة عند الجويني. فكان الجمع بينهما نتيجة الارتباط الوثيق بين مفهومي الشوكة والعصبية، كما جاء في مقدمة ابن خلدون خاصة، ولأنهما يعالجان الإشكالية نفسها، إشكالية تشكّل السلطة وأسباب انهيارها.

ثانياً، ما هي الإضافة التي قدّمها البحث؟

الإضافة الأساسية في هذه الأطروحة، هي قراءة مفهومي الشوكة والعصبية داخل إطار إشكالي واحد يتعلق بالسلطة والشرعية، بدل دراسة كل مفهوم في سياقه المنفصل المعتاد.فالدراسات السابقة تناولت إمّا الجويني وحده، أو ابن خلدون وحده. وإذا كانت دراسات المقارنة قليلة نسبياً بين كلٍّ من الجويني وابن خلدون مع غيرهما من المفكرين المسلمين، مع توافر مقارنات بين ابن خلدون خاصة ومفكرين غربيين، فإني لم أجد دراسة واحدة تقارن بين الجويني وابن خلدون.

الجديد في الأطروحة ليست في المادة وحدها، بل في زاوية قراءتها وبناء العلاقة بين مفاهيمها.لقد حاولت الأطروحة تقديم قراءة أكثر عمقاً لمفهوم الشوكة، من خلال تتبع بنيته المفهومية في الغياثي كما في كتابه الفقهي نهاية المطلب في دراية المذهب، والنظر في سياقه السياسي، وتحولاته الدلالية، بعده على يد الغزالي خاصة، وآليات توظيفه اللاحقة، وهي جوانب لم تُجمع – في حدود اطلاعي – ضمن معالجة واحدة في الدراسات السابق.أي كيف نشأ مفهوم الشوكة، وكيف تحوّل لاحقاً؟

ثالثاً، لماذا التمييز بين مفهومين للدولة واحد في الغرب وآخر في الشرق؟

قراءة نظرية السلطة عند الجويني وابن خلدون من وجهة نظر معاصرة، تتطلّب رصد مسارين متوازيين يلتقيان في الدولة الوطنية الحديثة، وهما:

أولاً، المسار التاريخي لنشوء مفهوم الدولة في الغرب، من بدايات صياغته فلسفياً في اليونان خاصة، وصولاً إلى مفكّري القرون الوسطى، والنهضة الأوروبية، لا سيما في القرن السادس عشر الميلادي، حين استوى مفهوم "الدولة" أو "state" وما يرادفه في اللغات الأوروبية، ومعه مفهوم "السيادة" "Sovereignty". والسيادة من الأركان الأساسية للدولة القومية الحديثة الأوروبية، منذ القرن السابع عشر الميلادي، وصولاً إلى الدولة الوطنية أو الدولة القومية في العالم الإسلامي الراهن، عقب التحرّر الرسمي من الاستعمار الغربي، وكان ذلك من قبيل استنساخ النموذج الأوروبي للدولة، أو خضوعاً لمقتضياته.

ثانياً، مسار التجربة التاريخية للدولة الإسلامية، مع دراسة طبيعة السلطة فيها، وخصائصها، وكيفية توزّعها، وأشكالها، ووظائفها المتبدّلة ببطء مع توالي القرون، ابتداء من دولة المدينة في الحجاز، ووصولاً إلى الدولة العثمانية، وكانت آخر دولة إسلامية عالمية، إلى أن ظهرت داخلها نواة "الدولة الوطنية" "State National"، في القرن التاسع عشر الميلادي. وكان الهدف مما سُمّي بالتنظيمات أو الإصلاحات العثمانية اللحاق ما أمكن بركب الغرب، لاستعادة التوازن العسكري معه؛ وكان مثلها من الإصلاحات أو شبيهها في مصر مع محمد علي باشا (-1849م)، وفي تونس مع حاكمها أحمد باي (-1855م)، ولدى سلاطين الدولة العلوية في المغرب الأقصى.

وحين يتحقّق الأمران، أي رصد مساري السلطة في الغرب كما في الشرق، من حيث نشوء الدولة في المسار الأول، وظهور مفهومها، والنظريات المختلفة حولها في الغرب، كما نشوء مفهوم الدولة في الإسلام في المسار الثاني، ومنطلقات الإمامة أو الدولة، ومصادرها الدينية، والفلسفية، والأدبية، والفقهية، وصولاً إلى عرض نظريتي الجويني وابن خلدون في سياق بالغ التكثيف، وقائعياً وفكرياً، فحينئذ يمكن قراءة نظريتي الجويني وابن خلدون، نقدياً. أولاً، من وجهة نظر تاريخية، بمعنى تأصيل مفهومي الشوكة والعصبية في سياقهما التاريخي، وتقرير مقدار الصلاحية النسبية للنظريتين في زمان الصدور، وهما في الأساس، ناتجتان عن قراءة وقائع ذلك العصر، فالاستجابة لها؛ وثانياً، من وجهة نظر معاصرة، أي بالنظر إلى تطوّرات الحياة السياسية، ومنتجاتها الفكرية الآن.

والدافع إلى إجراء هذه المقارنة التاريخية والمفهومية بين اتجاهات الفكر السياسي في الغرب والشرق، أنّ الدول الوطنية الحالية في العالم الإسلامي، تتبنّى نموذج الدولة الحديثة الغربية حتى بات هذا النموذج من المسلّمات السياسية، ويتعامل معها المفكّرون والسياسيون، كأمر واقع مفروغ منه، ويحاولون الإفادة منه ويريد بعضهم أسْلمته في الوقت نفسه، من باب صبّ مضامين إسلامية في قالب غير إسلامي، أو إلباس الدولة غير الإسلامية من حيث المنطلقات والغايات، مظاهر إسلامية.

رابعاً، ما هي إشكالية البحث؟

إنّ سيادة مفهوم الدولة الحديثة، نتاج الحضارة الغربية، على بقية العالم، ممّا يستدعي مراجعة نظرية السلطة عند إمام الحرمين الجويني والمؤرخ والقاضي ابن خلدون، باعتبار أنّ معطيات الواقع المعاصر قد تجاوزت الفرضيات التي استدعت تلك الاجتهادات السياسية في قرون خلت؛ فمفهوم الشوكة تطوّر وتنوعّت أنماط القوة والنفوذ، ولم يعد مفهوم العصبية مقتصراً على التضامن القَبَلي الطبيعي، وباتت الحاجة ملحّة لتأصيل موقف إسلامي من الدولة الحديثة، وفق قواعد الفقه ومقاصده، وبالإفادة من مُخرجات السياسات الشرعية وضوابطها المعروفة، واستنباط الاجتهادات المناسبة وفق الظروف السياسية وموازنات المنافع والأضرار، واستناداً إلى فهم أعمق لتحدّيات الواقع وما يتمخّض عنه من نوازل وطوارئ لم تكن قائمة في زمن الإسلام المبكر ولا في القرون التي تلت ظهوره. لذا، فإن مقاربة الموضوع بعمقه الفلسفي، والفقهي، والأصولي، والعمراني، من شأنه أولاً الإسهام في تظهير الفارق الأساسي بين النظرية الغربية للدولة الحديثة، وبين رؤية الإسلام لمفهوم السلطة وطبيعتها وخصائصها ووظائفها، وثانياً، البناء على هذا الخلاف المنهجي، لصياغة نموذج إسلامي، نظري وعملي للسلطة المعاصرة.

إنّ تحديد مفهوم الدولة في الفكر السياسي الغربي، كما سيادتها، ووظائفها، هو تمهيد لإجراء مقارنة مفهومية ووظيفية بين الدولة الغربية الحديثة، والدولة الإسلامية التاريخية؛ إذ ما يُراد أحياناً من أسْلمة النموذج الغربي للدولة، إنما هو من قبيل التناقض بين الغايات والوسائل، ويتعارض حتى مع مقاصد الشريعة بشأن السياسات العامة، وتكوين الدول الإسلامية.

إنّ السؤال المركزي في هذا البحث يتمثّل في العبارة المفتاحية التالية: هل من الممكن تحديث نظرية السلطة أو الدولة في الإسلام، بما يختلف عن جملة الفهوم التقليدية، ولا يستنسخ مفهوم الدولة في السياق الفكري الغربي الحديث؟ ويتفرّع من ذلكالسؤالالمركزي، سؤالان: ما مدى تأثير الواقع في السياسات العملية من وجهة نظر إسلامية؟ وكيف ينعكس ذلك على نظرية السلطة عند الجويني وابن خلدون؟

أما إشكالية البحث، فهي أنّ مفهوم الدولة الموروث من العصور الإسلامية الوسطى، لا يتطابق مع واقع الدولة الحديثة، الغربية المنشأ، ولا مع مفهومها أو خصائصها أو وظائفها أو كيفية تكوين السلطات فيها، اجتماعياً وسياسياً. وعليه، ثمّة حاجة ملحّة إلى مراجعة فكرية وفقهية لمفهوم الدولة من منظور إسلامي، وخاصّة تطوير مفهومي الشوكة والعصبية، وهما مناط تكوين السلطة في الإسلام، من وجهة نظر فقهية وعمرانية، كي يكون انسجام مع المظاهر الجديدة للقوة والتي لم تعد تقتصر على القوة العسكرية المجرّدة.

خامساً، ما منهجية البحث؟

اعتمدت الأطروحة على التحليل المفهومي للمصطلحات السياسية، والقراءة التاريخية السياقية للنصوص، والمقاربة النقدية المقاصدية للتوظيف المعاصر. لم تعتمد الأطروحة على القراءة الوصفية للنصوص فحسب، بل حاولت الجمع بين التحليل المفهومي والوعي بالسياق التاريخي الذي تشكلت فيه هذه المفاهيم، مع الاستفادة من المقاربة المقاصدية في تقويم توظيفها المعاصر.كما أن الدراسة لا تقوم على تحقيق الروايات التاريخية لذاتها، وإنما على تحليل السردية التاريخية ودورها في تشكل التصورات الفقهية والسياسية.ويعتمد البحث على المنهج الوصفي، وهو عبارة عن وصف ظاهرة معيّنة وعرضها بطريقة نقدية للحصول على النتائج أو تحديد الأسباب التي أدّت لحدوثها، كما يرصد نموّ الظاهرة مع الزمن، ويعقد المقارنات، وهو ما يساعد في صياغة تصوّر جديد أكثر تلاؤماً مع الواقع وتحدّياته. كما يعتمد المنهج التاريخي في تتبّع التطوّر البنيوي والمفهومي لأشكال السلطة منذ العصور القديمة وصولاً إلى الزمن الراهن.

سادساً، ما هي نتائج البحث؟

إذا ما حاولنا تطبيق منهج الجويني، على حالة التغيير السلمي في الزمن الراهن، والذي هو طويل المدى بطبيعته، وعن طريق صندوق الانتخاب، وهو بؤرة الاهتمام في البحث لفرادته، فكيف تتكوّن الشوكة بمعنى تأييد الأكثرية لاتجاه معين في دول ديمقراطية نسبياً، وذلك باعتبار أنّ الشوكة العسكرية غير متوافرة أصلاً؟ وهل هي شوكة دائمة أم متغيّرة؟ وإذا ما نجح حزب ما بالأغلبية في البرلمان، أو فاز رئيس إسلامي المنهج، في دولة علمانية، فهل يكون قد حاز على الشوكة ومعها التمكين، مع التمسّك بمبدأ التغيير السلمي، وتداول السلطة؟ لا بدّ أولاً من تقرير مسألة مهمّة، وهي أنّ الترابط العالمي الراهن فيما بين الدول، والتشابك بين المصالح، هو مما يؤدّي إلى تداخل شوكة الدول الخارجية مع شوكة الداخل، وهو أعمّ من مجرّد مَطْمع أو رغبة دولة قوية في التدخّل في شؤون دولة أضعف منها، لتحصيل مكاسب إضافية، أو لمنع سياسات لا ترغب بها، بل لأنه أحياناً يكون من مقتضيات الترابط العالمي المشار إليه، أن لا يُسمح لأيّ دولة سواء أكانت حليفة أو صديقة أو محايدة أو عدوة، أن تتصرّف خارج النظام المتفق عليه عالمياً، مثل ميثاق الأمم المتحدة، أو عدم القيام بأيّ أمر يهدّد أمن الإقليم وسلامته، أو لأنه يُخشى من تجاوز القوانين الدولية حتى لو لم تكن لتلك الدولة المتحكّمة في العالم بمآلات الدول وسلوكاتها أيّ مصلحة مباشرة في الدولة ذات العلاقة، بل فقط من أجل الحفاظ على هيبة القانون الدولي، وعدم سريان عدوى الخروج عن النظام بين دول أخرى. وفي تفسير الآثار المترتّبة على ما سبق، بالنسبة لسيادة الدول الأضعف من ناحية القوة العسكرية أو الاقتصادية، أنّ النفوذ الخارجي للدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، له تأثير في موازين القوى المحلّية التي تكوّن السلطة، في الدول الأضعف. فليست السلطة المحلّية غالباً إلا انعكاس للنفوذ الخارجي. وعندما يتناقض الداخل مع الخارج أو العكس، فقد تنشأ حالات متدرّجة من الضغوط، أدناها عقوبات اقتصادية، وهو ما يكون له آثار ضارّة في الدولة المستَهدفة، ومما يُضعف من شوكتها سواء في الداخل أو بإزاء الخارج، ويجعلها في دائرة الخطر أو السقوط، وأقصاها التدخّل الخارجي المباشر مثل الغزو العسكري، أو مساعدة المعارضة الداخلية لإسقاط نظام الحكم. وعلى هذا، يُنظر في الحالات المختلفة التي تمرّ بها شوكة السلطة في البلدان الإسلامية، بما يتجاوز المفهوم التقليدي للشوكة على أنها ذات طابع عسكري غالباً.

ويستنتج البحث بعد استعراض الآراء المختلفة حول نظرية ابن خلدون، وصلاحيتها كنموذج لتفسير الأحداث، أنه ما زالت النظرية قابلة للتطبيق نسبياً سواء في البلدان التي ما زالت فيها القبيلة أو بنى القرابة عموماً ذات تأثير قوي في المجتمع، أو حتى في البلدان المتطوّرة التي تخطّت عموماً التشكيلات الاجتماعية القديمة. لكن مع تغيّرات السياق الدولي العام، وتوازنات القوى، والترابط المتزايد بين مصائر الدول، فيما يرتبط بمفهوم الشوكة، ودورها في إقامة الدولة، يُقال الأمر نفسه، عن تكوّن عصبية ومآلها. فالشوكة والعصبية وجهان لمعطى واحد. الشوكة ناتجة عملياً عن عصبية ما، عصبية قَبَلية أو ما هو بمعناها. وبالشوكة تتمكّن العصبية من تأسيس دولة والقيام بأدوراها ووظائفها. ومن دونها، لا يمكن لعصبية ما أن تصل إلى مبتغاها. كما أنّ الشوكة تنشأ عادة من التحام معيّن بين أفراد جماعة معيّنة، قد تكون عصبية نَسَبية أو عصبية معنوية. ومن دون هذا الالتحام لا تقوم شوكة. وعلى هذا، فإن الشوكة والعصبية، عاملان أساسيان، متضافران معاً، لا يفترقان. أما المراحل الأربع للدولة التي أوردها ابن خلدون، وكأنها مسار الدولة الحتمي من الفتوّة إلى الشباب، فالكهولة، والشيخوخة، فهي نموذج مثالي ونظري، لا أكثر من ذلك. فوقائع التاريخ السياسي، القديم والحديث، تشير إلى تناوب المراحل، وتقديم وتأخير فيها، وكما أنّ مراحل الدولة لم تنطبق عليها نظرية ابن خلدون تماماً، باعتبار الظروف الذاتية للقادة، والظروف الموضوعية للبلد، أو القُطر، وحتى الظروف الطبيعية نفسها، من تصحّر، ووباء، وانزياح سكّاني، وانخفاض أو ازدياد في الأفراد، فضلاً عن تأثيرات العوامل الخارجية، فكذلك الحال في أيامنا، مع تفاقم أثر العوامل الخارجية في صناعة المشهد في الداخل. ويندر في عالم اليوم، أن تنفرد دولة ما بقرارات وسياسات دون اعتبار للدول الأخرى القريبة والبعيدة، أو لتكتلات الدول دولياً وإقليمياً، أو لتحالفات إقليمية ودولية، بحيث بات ممكناً تشكيل عصبية داخل بلد ما، بتدخّل خارجي، أو فَرْط عصبية النظام القائم، بإجراءات معقّدة، أو منع عصبية سياسية ناشئة من تغيير النظام، لاصطدامها بمصالح قوى خارجية.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة