الأربعاء 3 حزيران 2026 - 0:10
كتب (الشيخ الدكتور باسم عيتاني)
من خلال أكثر من عشرين عامًا قضيتها في الإشراف على البحوث العلمية ورسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه، وقراءة مئات الدراسات ومناقشتها وتقويمها، أستطيع القول إن أطروحة الباحث المتميز الشيخ هشام محمود عليوان الموسومة بـ «نظرية السلطة بين الجويني وابن خلدون: قراءة نقدية معاصرة» تُعدّ من الأطروحات النادرة التي جمعت بين العمق الفكري، وسعة الاطلاع، والقدرة على تركيب الأفكار وبناء رؤية علمية متماسكة.
وأقول ذلك عن معرفة بالباحث تمتد إلى ما يقارب خمسةً وأربعين عامًا، رأيت خلالها حرصه على العلم، واتساع اهتماماته الفكرية، وتدرجه في بناء شخصيته العلمية، وهو فوق ذلك من بيت عُرف بالعلم والدعوة، فجده العالم العلّامة الشيخ أحمد العجوز رحمه الله تعالى. ولعل هذه الأطروحة تمثل ثمرة نضج علمي وفكري طويل، تجلت آثاره في عمق المعالجة، وسعة الرؤية، والقدرة على الربط بين المعارف المختلفة.
فالرسالة لا تقوم على جمع النصوص أو استعراض الآراء أو إعادة ترتيب المادة العلمية فحسب، بل تنطلق من إشكالية حقيقية تمسّ أحد أكثر الموضوعات إلحاحًا في الفكر الإسلامي المعاصر، وهو سؤال السلطة والدولة والشرعية. وقد نجح الباحث في تحويل هذا السؤال من مجرد بحث تاريخي في أفكار الجويني وابن خلدون إلى مشروع علمي متكامل يحاور التراث والواقع في آن واحد.
ولفت نظري بصورة خاصة ما يتمتع به الباحث من تكوين علمي متنوع، مكّنه من مقاربة الموضوع من زوايا متعددة؛ فجمع بين المعرفة التاريخية، والإلمام بعلم الاجتماع، والوعي بالعلوم السياسية، والخلفية القانونية والدستورية، والتعمق في الفقه الإسلامي والسياسة الشرعية. ولذلك جاءت الأطروحة متجاوزة لحدود التخصص الضيق، وقادرة على بناء جسور معرفية بين حقول علمية متباعدة في الظاهر، متكاملة في الحقيقة.
ولعل أبرز ما يميز هذه الرسالة أنها لا تكتفي بشرح مفهوم «الشوكة» عند الجويني أو «العصبية» عند ابن خلدون، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة الأسس التي قامت عليها نظرية السلطة في الفكر الإسلامي، وطرح أسئلة جديدة حول مدى قدرة تلك المفاهيم على تفسير الدولة والسلطة في عالم اليوم، بعد التحولات الكبرى التي شهدها العالم في بنية الدولة والسيادة والعلاقات الدولية.
وقد تميز الباحث بجرأة علمية منضبطة؛ إذ جمع بين الوفاء للتراث والقدرة على مراجعته ونقده، محاولًا فتح أفق جديد للحوار حول الدولة والشرعية والسلطة من داخل المرجعية الإسلامية نفسها، لا من خارجها، بعيدًا عن التبعية الفكرية، وبعيدًا كذلك عن الجمود على اجتهادات نشأت في سياقات تاريخية مختلفة.
وأرى أن القيمة الحقيقية لهذه الأطروحة لا تكمن فقط في النتائج التي انتهت إليها، بل في الأسئلة الكبرى التي أعادت طرحها، وفي فتحها آفاقًا جديدة للبحث والاجتهاد والحوار العلمي حول مستقبل الفكر السياسي الإسلامي وإمكانات تجديده في ضوء المتغيرات المعاصرة.
ولذلك، فإنني أعدّ هذه الرسالة إضافة علمية حقيقية إلى المكتبة الإسلامية المعاصرة، وإسهامًا جادًا في ميدان الفكر السياسي الإسلامي، وجديرة بأن تُقرأ وتُناقش، وأن تتحول إلى كتاب متداول بين الباحثين والمهتمين بقضايا الدولة والسلطة والسياسة الشرعية في عالمنا المعاصر.
كما أقترح على الدكتور هشام حفظه الله تعالى ألا تبقى هذه الأطروحة حبيسة الرفوف الجامعية، بل أن يجعل منها مشروعًا علميًا وفكريًا متدرجًا، من خلال سلسلة محاضرات متخصصة، وورشات عمل تثقيفية، وندوات أكاديمية، وبرامج تدريبية لطلاب الدراسات العليا والمهتمين بالفكر السياسي الإسلامي؛ لأن ما تتضمنه من أفكار وإشكاليات وأسئلة يتجاوز حدود البحث الأكاديمي إلى الإسهام في بناء الوعي العلمي والفكري في واحدة من أكثر القضايا حضورًا وتأثيرًا في واقع الأمة ومستقبلها.
وأرى أن هذه الأطروحة تمتلك من الثراء المعرفي والعمق المنهجي ما يؤهلها لأن تكون منطلقًا لمشروع بحثي أوسع، يجمع بين المتخصصين في الفقه وأصوله، والسياسة الشرعية، والعلوم السياسية، وعلم الاجتماع، والتاريخ، من أجل مواصلة البحث في قضايا الدولة والسلطة والشرعية والسيادة، وصياغة رؤى أكثر نضجًا وفاعلية تستجيب لمتغيرات العصر وتحفظ في الوقت نفسه أصالة المرجعية الإسلامية ومقاصدها الكبرى.
أسأل الله تعالى أن يبارك للدكتور هشام في علمه وعمله، وأن ينفع بهذه الأطروحة، وأن يجعلها فاتحةً لمشروعات علمية أخرى أكثر اتساعًا وأثرًا، وأن يكتب لها القبول والانتفاع في الأوساط العلمية والفكرية.
. ِ
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



