مجلة تكوين


عصام شبارو: بلدية بيروت من التأسيس حتى الانهيار



الأربعاء 14 تشرين الأول 2026 - 0:04

كتب (د.هشام عليوان)

رَسَم مؤرخ بيروت الدكتور عصام شبارو، الخط البياني لبلدية بيروت تاريخياً، تأسيساً، وازدهاراً ثم انهياراً، وذلك في الندوة النقاشية التي جرت في المركز الثقافي الإسلامي ببيروت، يوم السبت 10 الشهر الجاري، حول كتابه: "بلدية بيروت: من التأسيس إلى الانهيار (1864-2023)" مع حضور لافت من البيارتة، مثقفين ومهتمّين، فضلاً عن رئيس الوزراء السابق تمام سلام ونجله صائب، وعضو المجلس البلدي الحالي العميد محمود الجمل، والرئيس السابق لبلدية بيروت الدكتور بلال حمد.

يمثّل الكتاب تأريخاً متكاملاً لبلدية بيروت حتى عام 2023، موثِّقاً أسماء رؤساء البلدية في العصر العثماني، فعصر الانتداب الفرنسي، ثم خلال دولة لبنان، أي من عبد الله بيهم (1864)، إلى عمر الداعوق (1915-1920) أيام العثمانيين. ومن عمر بيهم (1921-1922) إبان الانتداب الفرنسي إلى شفيق الحلبي (1941-1943). ومن رفيق أرسلان (1944-1947) في دولة الاستقلال إلى جمال عيتاني (2016-2023). كما يدرس تاريخ العلاقة بين المجلس البلدي ومحافظ بيروت، ويرصد تعديلات القوانين الحاكمة منذ عام 1875.

تقسيم البلدية ثم دمجها

أول مرة قُسمت فيها بلدية بيروت، إلى دائرتين شرقية وغربية، عام 1909، فكان بطرس داغر الأرثوذكسي رئيس الدائرة الشرقية، ومنيح رمضان السني رئيس الدائرة الغربية، وضمت كل دائرة مسيحيين ومسلمين، وإنما كان التقسيم طائفياً على مستوى رئيس كل دائرة. كان عدد سكان بيروت عام 1906 مئة ألف، فارتفع بعد ثلاث سنوات إلى 150 ألفاً، وهو يشمل السكان الأصليين والمقيمين في بيروت، من النازحين من جبل لبنان مع الأجانب والغرباء. أما السكان الأصليون، فناهز عددهم عام 1909 أكثر من 63 ألفاً. تقسيم البلدية إلى دائرتين لم يكن فأل خير على المدينة، بل تردّت أحوالها ما استدعى إعادة توحيدها عام 1910 برئاسة منيح رمضان.

صلاحيات وهدم مبانٍ وأسواق

من المفارقة التاريخية، أن ولاية بيروت العثمانية نزعت من البلدية صلاحية رفع النفايات وإدارة مستشفى البلدية في حي الرمل (الصنائع فيما بعد)، وسلّمت إدارتهما إلى قومسيون مخصوص، أي مجموعة خاصة. وهذا كلّف البلدية ربع إيراداتها، لذلك طلبت بلدية بيروت برئاسة أحمد مختار بيهم عام 1913 من ولاية بيروت استرداد مهمة استلام التنظيفات وإدارة المستشفى، وقبلت ولاية بيروت هذا الطلب عام 2014. أما هدم المباني القديمة، وتوسيع الشوارع في وسط بيروت، فهو مشروع بدأ به والي بيروت بكر سامي بك عام 1915، أي قبل 79 سنة من بدء شركة سوليدير استثمار المساحة نفسها وحواليها، واستكمله الوالي التالي عزمي بك في العام التالي، بحيث أُزيل ثلثي الأماكن القديمة فأتت على معظم أسواق بيروت لتنشأ مكانها شوارع جديدة ومتوازية.

المناصفة بين المسلمين والمسيحيين

لم تكن المجالس البلدية في بيروت، تقوم على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين بشكل دائم. وفي بعض الأحيان، كان المسيحيون يطالبون بالمناصفة مع المسلمين، حين لا تكون متوافرة. وفي عهد الانتداب الفرنسي (1920-1943)، تعاقب على رئاسة بلدية بيروت ستة رؤساء، ثلاثة من المسلمين السنة، هم عمر بيهم، وبدر دمشقية، وحسين الأحدب، وواحد مسيحي هو سليم تقلا، واثنان من الموحدين الدروز هما: كامل حمية، وشفيق الحلبي. وفي عام 1924 صدر قرار تشريعي من المندوب السامي الفرنسي بشأن بلدية بيروت، لا يختلف كثيراً عن القانون العثماني لعام 1877، ما عدا منح رئيس البلدية هامشاً أكبر، وللمجلس البلدي حق إدارة بيروت، فيما احتفظت السلطة البلدية بالوصاية على البلدية وصلاحية الموافقة على قراراتها. ومع أن قانون 1924 اعتمد مبدأ إجراء الانتخابات البلدية، إلا أنه استمر تأجيلها حتى عام 1952. وتطبيقاً للقانون الجديد، تشكّل مجلس بلدية بيروت من ثمانية أعضاء برئاسة حسين الأحدب، والأعضاء ثلاثة مسلمين، وأربعة مسيحيين، وفرنسي.

بين المحافظ والبلدية

في عام 1927، أصبح حسين الأحدب محافظ بيروت، إلى جانب رئاسته البلدية، وفيها أحد عشر عضواً، ستة مسلمين، وأربعة مسيحيين، وفرنسي. وظلّ محافظ بيروت خلال الانتداب، متولياً رئاسة البلدية، مع سليم تقلا، وكامل حمية، وشفيق الحلبي. وفي دولة الاستقلال، بقي محافظ بيروت رئيساً للبلدية بين عامي 1944 و1952، حين جرى الفصل بين المنصبين. وفي ذاك العام، 1952 جرت الانتخابات البلدية، ولم تجرِ بعد ذلك إلا بعد خمس وأربعين عاماً وستة أشهر، أي عام 1998، حين انتُخب المهندس عبد المنعم العريس رئيساً لبلدية بيروت. وفي تلك المدة الفاصلة (1952-1998)، كان المجلس البلدي يُعيّن، وتنامت الصلاحيات التنفيذية لمحافظ بيروت، حين أوكلت إليه مراقبة حسن تنفيذ المهام الموكلة إلى مجلس تنفيذ المشاريع الكبرى لمدينة بيروت، منذ إنشائه عام 1964، بدلاً أن يتولى المجلس البلدي هذا الدور.

في عام 1947 صدر قانون البلديات بعد الاستقلال، فكان محافظ بيروت هو رئيس البلدية، وللمجلس سلطات تقريرية وتنفيذية. وفي عام 1952 صدر قانون جديد للبلديات، فَصَل بين منصبي محافظ بيروت ورئيس بلديتها، لكنه أناط السلطة التنفيذية في البلدية للمحافظ. إلا أن المادة 130 منه، نصت على أنه إذا لم ينفّذ محافظ بيروت قرارات البلدية خلال ثلاثة أشهر من تاريخ إبلاغه إياها، يُخطره المجلس بوجوب التنفيذ، فإذا لم يُذعن في مهلة عشرة أيام، عهد المجلس إلى رئيسه مهمة التنفيذ. وجعل القانون السلطة التنفيذية في بلديات كبرى، وهي بيروت، وطرابلس، والميناء، بيد موظف يُعيّن بمرسوم، بدلاً من أن يكون بيد رئيس البلدية المنتخب. وفي بيروت، يتولى السلطة التنفيذية، محافظ بيروت. ويعود أمر إناطة السلطة التنفيذية في بلدية بيروت بالمحافظ، إلى الرئيس كميل شمعون، الذي وقّع على المرسوم الاشتراعي رقم 5، وفيه قانون قانون البلديات في 23 تشرين الثاني 1952، أي بعد شهر وسبعة أيام من انتخابه، بناء على اقتراح وزير الداخلية الأمير خالد شهاب، وموافقة مجلس الوزراء الذي كان برئاسته أيضاً. وهنا ينفي المؤرخ شبارو شائعة أن القانون صدر في أيام الرئيس صائب سلام.

وفي عام 1954، صدر تعديل لقانون البلديات، وكان باقتراح وزير الداخلية جبرائيل المر، وموافقة مجلس الوزراء برئاسة سامي الصلح. فأصبح المحافظ ملزماً بموجبه بتنفيذ قرارات المجلس البلدي خلال شهر فقط. وفي عام 1963، صدر قانون البلديات، وكان وزير الداخلية كمال جنبلاط، ورئيس الوزراء رشيد كرامي. وفيه لا تصبح قرارات بلدية نافذة إلا بعد تصديق سلطة الوصاية، أي المحافظ ووزير الداخلية. والمحافظ عادة هو مسيحي أرثوذكسي غير بيروتي. وفي عام 1977، أُنشئ مجلس الإنماء والإعمار، بالمرسوم الاشتراعي رقم 5، الموقع من رئيس الجمهورية إلياس سركيس ورئيس الحكومة الدكتور سليم الحص، فانضم إلى مجلس تنفيذ المشاريع الكبرى في سلب أهم صلاحيات البلدية، مع أن المجلس الجديد لم يقم بدور حقيقي إلا بعد عام 1991. وفي عام 1977، صدر قانون جديد للبلديات، بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 118، بناء على اقتراح وزير الداخلية وموافقة رئيس الحكومة سليم الحص، فأبقى السلطة التنفيذية بيد المحافظ. ومع تأسيس شركة سوليدير عام 1991، وهي الشركة العقارية المولجة إعادة إعمار الوسط التجاري لبيروت بعد الحرب، وتكليف شركة سوكلين تأمين النظافة في بيروت، تراجع دور البلدية، إلى أقصى حدّ، إن لم نقل إن هذا الدور التقليدي قد انهار فعلاً، وباتت الأحزاب السياسية مهيمنة على انتخاباتها، ومعطلة لقراراتها بسبب تضارب مصالحها.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة