الأحد 12 أيار 2024 - 0:19
كتب (د. طلال أسد)
ترجمة وتقديم د. مصطفى لافي الحرازين
كيف فكّر المسلمون بالعلمانية في المرحلة السابقة على الحداثة؟ وماذا يستنتجون اليوم من فكرة ما هو علماني؟ لقد ادّعى عدد من الكُتّاب في سياق السجالات المعاصرة عن حيّز وجود الدين في مصر، مركزية الحياة العلمانية بالنسبة للماضي، وضرورة النظر إليها بما هي على هذا النحو، وإعادة ذلك إلى المجال المحدود والمقيَّد الذي كان يضطلع به دوماً القانون الديني (أي الشريعة) في إدارة المجتمع.
وإنه ليمكننا العثور على مفتاح يوضّح لنا كيفية التفكير بما هو علماني في الحقبة التي سبقت ارتباط التاريخ المصري بالتاريخ الغربي الحديث، ويتمثّل بالمحاولات التي جرت في القرن التاسع عشر لترجمة المصطلح secular، وما يتشابه معه إلى اللغة العربية. والواقع أنّ كلمة "علماني"، هي الكلمة الشائعة الأكثر استعمالاً اليوم في مقابل صفات مثل secular أو layman. وتعود هذه الكلمة الأكثر استعمالاً الآن إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر (لا يتضمّن القاموس العربي-الإنجليزي Arabic-English Lexicon لـ لاين Lane الذي أُلّف في مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر أيّ مادة لكلمة علمانية أو لما يشبهها). وهي تفسح في المجال للمصدر الصناعي "علمانية" لتعنيsecularism وlaicism.
وفي أوروبا تعود كلمة "علمانية" التي ترمز إلى العقيدة التي تمنع تأسيس الأخلاق والتربية القومية، والدولة نفسها، على المبادئ الدينية إلى منتصف القرن التاسع عشر. كما نشهد ذلك في "العلمانية"laïcism الفرنسية ("العقيدة التي تعطي المؤسسات شخصية لا دينية"). ويعتمد التعبير الفرنسي عن تعبيرlaïcism على تجربة جاكوبان Jacobin تلك التي تتيح علمانية أشدّ قوة وأكثر عدوانية (بما في ذلك النزعة العدوانية حيال وجود بعض "الرموز الدينية" في مؤسسات الدولة). وذلك مقارنة بالعلمانية البريطانية. وإننا نقف بهذا المعنى على اختلافات فعلية في طريقة فهم "العلمانية" في القارة الأوروبية تعود إلى تواريخ سياسية مختلفة. غير أنّ هذه الاختلافات هي في الواقع اختلافات عائلية: إنها جميعاً تخوض نضالات مخصوصة حول ما إذا كان من الواجب السماح للعقائد الدينية والأخلاق الجمعية – على تنوّعها التاريخي – بالإسهام في تشكيل السياسة العامة. وهكذا على الرغم من تسديد الغرب الأوروبي في القرن التاسع عشر للعلمانية على صعيد الكلمة والمفهوم – وذلك في لحاظ ارتباطها بسياسات ومؤسسات مختلفة – فإننا لا نشهد في الوقت نفسه أيّ محاولة لتقديم كلمة عربية. وبالطبع، لا يثبت هذا النقص اللفظي في حدّ ذاته أنّ المصريين لم يكن لديهم في القرن التاسع عشر مفهوم حول "العلمانية"، بل إنه يشير إلى عدم حاجة الخطاب السياسي باللغة العربية إلى التعامل المباشر معها على النحو الذي جرى لاحقاً. وبهذا المعنى، لم تشهد مصر وجود العلمانية قبل ظهور الحداثة.
لقراءة البحث كاملاً:
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



