قضايا وتقارير


عون في النبطية: الدولة حاضرة في الجنوب

الأحد 13 أيلول 2026 - 0:03

خاص (أيوب)

حملت الزيارة المفاجئة التي قام بها رئيس الجمهورية العماد جوزف عون إلى مدينة النبطية والجنوب دلالات تتجاوز في أبعادها الطابع التضامني مع الأهالي بعد التصعيد الإسرائيلي، لتتحول إلى رسالة سياسية وأمنية واضحة عنوانها أن الدولة تريد تثبيت حضورها في الجنوب، وأن تكون المرجعية الأولى لأبنائه في مواجهة تداعيات الحرب ومخاطرها.

ولم يكن اختيار النبطية محطةً أساسية في جولة عون تفصيلاً عابراً. فالمدينة، بما تمثله من ثقل سكاني وسياسي واجتماعي في الجنوب، عاشت خلال الفترة الأخيرة تحت وطأة الاعتداءات الإسرائيلية وموجات النزوح والأضرار التي طاولت المؤسسات والمنازل والمرافق العامة. ومن هنا، أراد رئيس الجمهورية أن يكون حضوره ميدانياً، لا أن تقتصر متابعة التطورات على الاجتماعات والاتصالات من بيروت.

أما الدلالة الأبرز، فتمثلت في مرافقة قائد الجيش العماد رودولف هيكل وعدد من قادة الأجهزة الأمنية للرئيس عون. فالصورة بحد ذاتها حملت رسالة مفادها أن الدولة بمؤسساتها السياسية والعسكرية والأمنية تتقدم إلى الجنوب، وأن الجيش هو عنوان الأمن والانتشار وحماية المواطنين في المرحلة المقبلة.

وقد اختصر عون هذه الرسالة عندما خاطب الأهالي مؤكداً أن "الجنوب هو في قلب الدولة وقلب لبنان"، وأن ابن الجنوب "يريد الدولة ولا أحد سواها". وهي عبارات تكتسب دلالة سياسية خاصة في لحظة تتقدم فيها مسألة دور الدولة وحصرية سلطتها إلى واجهة النقاش الداخلي بشأن مستقبل الجنوب وترتيبات المرحلة المقبلة.

كذلك، حرص رئيس الجمهورية على إعادة تثبيت مجموعة من الثوابت التي يعتبرها أساس معالجة الملف الجنوبي، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي، وعودة الأسرى والنازحين إلى بلداتهم وقراهم، وإعادة إعمار المناطق المتضررة. كما جاء إعلانه عدم وجود مفاوضات جديدة مع إسرائيل في الوقت الحالي ليؤكد أن الأولوية بالنسبة إليه تبقى لتنفيذ هذه المطالب.

لكن رمزية الزيارة لم تكن سياسية وأمنية فقط، إذ حملت بعداً اجتماعياً وإنمائياً واضحاً. فالحوار المباشر الذي دار بين عون والمواطنين أظهر حجم القلق الذي يعيشه أبناء المنطقة، سواء لجهة الأمن أو التعليم أو الخدمات أو إعادة الإعمار. لذلك شدد الرئيس على أن مسؤولية الدولة لا تتوقف عند توفير الأمن، بل تشمل تأمين مقومات بقاء المواطنين في أرضهم.

ومن هنا أيضاً اكتسب تفقده المباني الرسمية المتضررة ولقاءه رؤساء البلديات أهمية إضافية، خصوصاً في ظل المطالب المتعلقة بمستحقات البلديات، والإغاثة، والتعويضات، وإعادة بناء المؤسسات والمنازل المتضررة. فالعودة إلى الجنوب، وفق الرسالة التي حملتها الزيارة، لا يمكن أن تتحقق بالأمن وحده، بل تحتاج إلى إدارة وخدمات وإعمار وفرص للاستقرار.

وفي زوطر الغربية، حيث تفقد عون وحدات الجيش وعاين من داخل كنيسة دير سيدة البشارة مواقع انتشار الجيش الإسرائيلي في زوطر الشرقية، ازدادت رمزية المشهد وضوحاً: رئيس الجمهورية وقائد الجيش في الميدان، على مقربة من مواقع الاحتلال، في تأكيد على ارتباط السيادة بحضور المؤسسات الشرعية على الأرض.

بهذا المعنى، يمكن قراءة زيارة عون إلى النبطية باعتبارها محاولة لتكريس معادلة جديدة في الجنوب: الدولة ليست زائرة، بل صاحبة مسؤولية ودور. وإذا كان الرئيس قد قال للأهالي "لن نترككم أبداً"، فإن التحدي بعد الزيارة سيكون في ترجمة هذه العبارة إلى أمن وإعمار وخدمات وعودة للنازحين، بما يجعل حضور الدولة واقعاً دائماً لا مجرد رسالة في لحظة استثنائية.

 



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة