الأربعاء 14 تشرين الأول 2026 - 0:02
في مقال حمل عنوان "ما الذي يكمن خلف محاولات حزب الله تهريب كميات هائلة من المتفجرات العسكرية إلى لبنان؟"، يتناول جاك نيريا، المسؤول السابق في الاستخبارات الإسرائيلية والباحث في مركز القدس للشؤون العامة والسياسة، دلالات ما يصفه بمحاولات تهريب متفجرات عسكرية إلى لبنان، وانعكاساتها المحتملة على المشهد الأمني، في ظل التوترات الإقليمية والتطورات المرتبطة بمستقبل حزب الله وقدراته العسكرية.
وجاء في المقال:
"إن المحاولات الأخيرة لتهريب ما يقارب طناً من المتفجرات من نوعَيC4 وTNT، عبر الحدود السورية اللبنانية، تشير إلى أن حزب الله يعمل على إعادة بناء قدراته العسكرية والاستعداد لمواجهة جديدة مع إسرائيل.
تشير محاولة التهريب التي أُعلن حدوثها، والتي تضمنت نحو 800 كلغ من متفجراتC4 وTNT، إلى التحول نحو الحصول على مواد متفجرة متعددة الاستخدامات، يمكن استعمالها في تصنيع الأسلحة محلياً، وبصورة موزعة، وكذلك في الاستعدادات الدفاعية.
على الرغم من إمكانات استخدام هذه المواد أيضاً في صراعات داخلية في لبنان، فإن الاستعداد لاستئناف الأعمال العدائية مع إسرائيل يبرز كأحد التفسيرات الاستراتيجية الرئيسية، كما أن تشديد إجراءات ضبط الحدود من جانب لبنان وسورية يزيد في صعوبة جهود حزب الله في إعادة بناء بنيته التحتية العسكرية والحفاظ على جاهزيته العملياتية.
لماذا ظهرت الحاجة المفاجئة إلى المتفجرات؟ هل يعاني حزب الله نقصاً في المتفجرات؟ وهل تهدف هذه المواد إلى تنفيذ عمليات محتملة ضد مسؤولين كبار في الدولة؟ وهل يشير ذلك إلى استعداد الحزب لمواجهة داخلية في لبنان، أو إلى التحضير لاستئناف المواجهة مع إسرائيل؟
تشير عمليات إحباط التهريب على الحدود إلى تحوُّل تكتيكي مهم في نمط العمليات الذي يتّبعه حزب الله، وفي طرق إمداده؛ فنقل مواد متفجرة خام، مثلC4 وTNT، عبر الحدود السورية، إلى لبنان، بالتزامن مع تحرُّك القوات المسلحة اللبنانية لإحباط هذه العمليات، يعكس مجموعة من العوامل الاستراتيجية الأساسية التي تؤثر حالياً في حسابات الحزب الداخلية والإقليمية.
لقد استهدفت الحملات الجوية الإسرائيلية الواسعة البنية التحتية تحت الأرض التابعة لحزب الله في سهل البقاع والجنوب اللبناني وضاحية بيروت الجنوبية، وهو ما أدى إلى تدمير مخزونات كبيرة من الذخائر المخزّنة مسبقاً، وأجبر الحزب على محاولة تعويضها بسرعة، عبر طرق تهريب تمتد على طول الحدود السورية التي يسهل اختراقها.
على مدى العامَين الماضيَين، تسببت الضربات الإسرائيلية المتواصلة ضد مستودعات الأسلحة وطرق التهريب باضطرابات شديدة في منظومات الإمداد التقليدية والثقيلة لحزب الله، ولا سيما تلك المخصصة لنقل الذخائر العسكرية النظامية والصواريخ المصنّعة في المصانع.
إن المتفجرات الشديدة الانفجار، مثلC4 وTNT، في المصطلحات العسكرية، تُستخدم كمواد خام متعددة الاستخدامات، وبدلاً من محاولة نقل منظومات أسلحة مكتملة وكبيرة الحجم يسهل اكتشافها، فإن إدخال المتفجرات المركّزة يتيح تصنيع أنواع عديدة من الذخائر، محلياً، وفي ورش صغيرة موزعة على مواقع متعددة، وربما تُستخدم هذه المواد في تصنيع العبوات الناسفة والألغام الجانبية والذخائر المضادة للدروع، ومادةC4 خفيفة الوزن وقابلة للتشكيل، وذات قدرة تدميرية عالية، ويمكن أن تكون ملائمة لسيناريوهات قتالية لا يُتاح فيها استخدام المدفعية الثقيلة، أو الوحدات المدرعة، أو لا يكون استخدامها عملياً.
لا يعني إدخال المتفجرات البلاستيكية العسكرية وTNT، بالضرورة، أن حزب الله استنفد مخزونه بالكامل، بل ربما يدل على أن منظومة توزيع الإمدادات لديه مضطرة إلى التكيف مع الظروف الجديدة.
إن مادةC4 مرِنة الاستخدام، إذ يمكن توظيفها في تصنيع أسلحة محلية لمواجهة القوات الخارجية، أو في إعداد عبوات ناسفة، أو في الاحتفاظ بقدرات سرّية لأغراض تتعلق بالسيطرة الداخلية على الساحة اللبنانية، في حال تصاعد الضغط السياسي والعسكري داخل البلد.
ومع ذلك، فإن محاولة تهريب800 كلغ من المتفجرات تشير إلى أن حزب الله يُجري استعدادات عسكرية، وأن هذه الكمية تتجاوز كثيراً ما يلزم لعمليات اغتيال محددة، أو هجمات دقيقة، وهي تمثل قدرة عملياتية كبيرة.
ما هي الدلالات العسكرية والاستراتيجية لهذه الكميات؟
إن نقل كميات كبيرة من المتفجرات يعكس الاستعداد لاحتمالات قتالية عديدة، منها:
1. الاستعداد لمواجهة القوات المدرعة
المتفجرات البلاستيكية الشديدة الانفجار يمكن استخدامها في تجهيز وسائل لمواجهة الدبابات والمركبات المدرعة، وفي إقامة عوائق دفاعية وتحصينات تحت الأرض، ودفنُ هذه المتفجرات في باطن الأرض ربما يشكل تهديداً للمركبات المدرعة، حتى في ظل وجود أنظمة دفاع ناشطة، مثل منظومة "معطف الريح" التي طورتها شركة رافائيل الإسرائيلية، إذ إن هذه الأنظمة مصممة أساساً للتعامل مع تهديدات معينة، مثل الصواريخ المضادة للدبابات، وليست مخصصة لإيقاف المتفجرات المزروعة تحت المركبات.
2. الاستعداد لاحتمال اندلاع مواجهة داخلية في لبنان
إذا كان حزب الله يتوقع تحرُّكاً واسعاً من ميليشيات مُنافِسة، أو القوات المسلحة اللبنانية، أو حدوث توغُّل برّي خارجي، فيمكن أن تُستخدم الكميات الكبيرة من المتفجرات في إقامة عوائق دفاعية وتحويل بعض المواقع إلى مناطق محصّنة، وهذه المتفجرات ربما تُستخدم عموماً في تدمير البنية التحتية التكتيكية، مثل الجسور وطرق الوصول والممرات الجبلية الضيقة بهدف تعطيل الحركة وعزل مناطق العمليات.
3. تعويض النقص في الأسلحة المصنّعة
ازدادت عمليات اعتراض الصواريخ الموجهة الدقيقة والأسلحة المصنّعة المخصصة لحزب الله قبل وصولها إلى لبنان، وهو ما يجعل المتفجرات الخام عنصراً مهماً في جهود التصنيع المحلي، وهذه المواد يمكن أن تدخل في إنتاج أنواع عديدة من الذخائر والأسلحة محلياً، بما يتيح للحزب تعويض بعض خسائره والتكيف مع القيود المفروضة على طرق الإمداد.
يمكن القول إن نقل شحنات تقترب من طن واحد لا يعكس مجرد محاولة للحفاظ على مجموعات سرّية صغيرة، بل ربما يشير إلى مسعى أوسع لإعادة بناء القدرة القتالية للنظام العسكري للحزب وتكوين مخزونات كبيرة من الذخائر، على الرغم من تشديد الرقابة على الحدود.
سواء أكانت هذه المواد مخصّصة لتعزيز الدفاعات في مواقع القتال التقليدية، أم للتحصّن، استعداداً لمواجهة داخلية، فإن حجم الشحنة يوحي بالاستعداد لصراع طويل الأمد وعالي الكثافة، وليس لمجرد تنفيذ عمليات سرّية محدودة.
هل يجري التحضير لاستئناف المواجهة العسكرية مع إسرائيل؟
يبدو كأن ذلك هو الاحتمال الأبرز؛ فربما يمثل استئناف مواجهة عسكرية طويلة الأمد مع إسرائيل الدافع الاستراتيجي الرئيسي إلى نقل كميات كبيرة من المتفجرات، وعلى الرغم من أن الاعتبارات الداخلية اللبنانية وتوازنات القوى داخل البلد يمكن أن تشكل دوافع ثانوية، فإن طبيعة المتفجرات البلاستيكية العسكرية، ولا سيماC4 وTNT، بكميات كبيرة، تتوافق مع متطلبات الاستعداد لخوض مواجهة واسعة النطاق ضد الجيش الإسرائيلي.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



