السبت 7 شباط 2026 - 0:08
كتب تسفي باريل محلل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة "هآرتس" مقالة تحت عنوان: "إيران وافقت على المفاوضات في ظل التهديد العسكري، لكن الفجوة بينها وبين الولايات المتحدة لا تزال كبيرة". جاء فيها:
لا يزال من غير الواضح ما سيكون عليه شكل المحادثات التي يُتوقع أن تبدأ في سلطنة عُمان بين إيران والولايات المتحدة، ومَن سيشارك فيها، وماهية الموضوعات التي ستُطرح على جدول الأعمال، وكم ستستمر. يوم الجمعة الماضي، بدا كأنه تم التوصل إلى اتفاق، على الأقل بشأن مكان اللقاء، وهو إستانبول؛ لقد زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تركيا في ذلك اليوم، واجتمع بنظيره هاكان فيدان، وبالرئيس رجب طيب أردوغان. ووفقاً لمصادر تركية، تم الاتفاق على أن يرعى أردوغان لقاءً متعدد الأطراف يشارك فيه، إلى جانب ممثلي الولايات المتحدة وإيران، ممثلون للسعودية وقطر وباكستان ومصر والإمارات العربية المتحدة، إلّا إن إيران تراجعت بعد ذلك، وطلبت نقل مكان اللقاء من إستانبول إلى العاصمة العُمانية مسقط. ولم يُقدَّم أي تفسير رسمي لهذا القرار، سواء من الجانب الإيراني، أو التركي، أو الأميركي.
قال محلل تركي، يعمل في وسيلة إعلامية تُعتبر معارِضة للسلطة في أنقرة، لصحيفة "هآرتس" "إن تركيا تفاجأت بالقرار، بل شعرت بخيبة أمل. كان من المفترض أن يكون هذا العرض الدبلوماسي مهماً بالنسبة إلى أردوغان، الذي عمل منذ بداية الأزمة مع إيران بشكل مكثف للدفع بالمفاوضات بينها وبين الولايات المتحدة." وفي رأيه، إن هذا التغيير نابع من تقدير إيران أنها يمكن أن تجد نفسها أمام منتدى يُلزمها مناقشة قضايا تعتبرها غير قابلة للتفاوض حتى الآن، مثل تقليص عدد الصواريخ الباليستية وقطع العلاقات مع أذرعها في لبنان والعراق واليمن.
غير أن إيران لم تكن بحاجة إلى تغيير مكان اللقاء من أجل تحديد إطار المفاوضات والقضايا التي ستُناقَش في الاجتماع الأول. وتقول تقديرات أخرى إن إيران أرادت تقديم اللقاء الحالي على أنه جولة إضافية، وامتداد للجولات الخمس التي عقدتها مع الولايات المتحدة في نيسان/أبريل وأيار/مايو 2025، وليس مفاوضات جديدة ذات جدول أعمال واسع. ومع ذلك، فإن مسألة المكان وتركيبة الوفود لم تُحسم بالكامل بعد. وفي بادرة أميركية، لم تُصرّ واشنطن على جعلها عقبة، إذ يبدو كأنها مستعدة لعقد اللقاء في عُمان.
إذا تم التوصل إلى اتفاق، وأُجريت المحادثات في عُمان، فمن المتوقع أن يتركز اللقاء على قضيتين رئيسيتين: الأولى، خفض مستوى التهديد العسكري الأميركي؛ والثانية، الاتفاق على حصر المحادثات في الملف النووي دون غيره. لقد تحولت هاتان القضيتان إلى شرطَين إيرانيَّين أساسيَّين ومُعلنَين للموافقة على إجراء الاتصالات، إذ أوضح القادة الإيرانيون ذلك بالقول "لن نجري مفاوضات تحت التهديد"، وحرصوا على التأكيد أن قضية الصواريخ الباليستية لن تكون مطروحة للنقاش إطلاقاً.
ظاهرياً، تبدو الفجوة بين موقفَي الولايات المتحدة وإيران واسعة إلى حدٍّ يصعب تجاوُزه، وبشكل خاص بعد أن صرّح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأن المفاوضات يجب أن تتناول أيضاً قضية الصواريخ وعلاقات إيران بأذرعها، وبالتنظيمات "الإرهابية" الإقليمية. ومع ذلك، لا يمكن تجاهُل حقيقة أنه على الرغم من تصريحاتها، فإن طهران توافق، عملياً، على التفاوض تحت تهديد عسكري كبير جداً، وأنه إذا أرادت أن تؤدي هذه المفاوضات إلى رفع العقوبات عنها، فسيتعيّن عليها مناقشة القضايا الأُخرى التي ترغب الولايات المتحدة في طرحها.
قد تكمن صيغة التوفيق بين هذه الفجوات في الاتفاق على آليةٍ لإدارة المفاوضات، وفق نهج "خطوة بخطوة" الذي اقترحه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، فهذا النهج مقبول أيضاً من السعودية وقطر ومصر، وربما من إيران أيضاً. ومعنى اختيار هذا الإطار هو تحديد محطات زمنية واضحة، وسيُطلب من إيران في كل محطة تنفيذ خطوة تم الاتفاق عليها مسبقاً. فعلى سبيل المثال، قد تُجبَر على تسليم مخزون اليورانيوم، الذي خصّبته إلى مستوى 60%، لدولة ثالثة فوراً.
وفعلاً، عرضت روسيا "خدمات استضافة" هذا المخزون من اليورانيوم، بينما قال مسؤول تركي تحدّث هذا الأسبوع مع "هآرتس" إن تركيا يمكن أن تعرض خدمات مماثلة؛ وفي المرحلة الثانية، سيُطلب من إيران إعادة السماح بدخول جميع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ وفي المرحلة الثالثة، تدمير ما تبقى من وسائل التخصيب في منشآتها النووية. لكن حتى لو وافقت إيران على مثل هذا الاتفاق التدريجي، فإنها ستطالب في المقابل برفعٍ تدريجي ومتفق عليه للعقوبات الأميركية، وبإلغاء العقوبات الدولية التي فُرضت عليها، بموجب بند "سناب باك"- وهو آلية لإعادة فرض العقوبات على طهران التي تم تحديدها في الاتفاق النووي الأصلي الموقّع في سنة 2015. لكن قبل كل شيء، سيطالب الإيرانيون بإزالة التهديد الأميركي بشنّ هجوم. ويكمن الخوف في أن يمنح مثل هذا الإطار الاتفاقي الجديد النظام الإيراني مساحة من الوقت والمناورة، ويُضعف أثر الضغط العسكري الذي أوجد فرصة التفاوض.
بين الخشية من "اتفاق سيئ" يمنح إيران امتيازات، وبين الرأي القائل إن الحرب الشاملة وحدها ضد إيران ستؤدي إلى نتائج حقيقية، يُتوقع أن تلعب الدول العربية وتركيا دوراً مهماً؛ زار الرئيس التركي أردوغان السعودية قبل يومين، واجتمع بوليّ العهد محمد بن سلمان، وأمس، "قفز" في زيارة إلى مصر، أجرى خلالها محادثة طويلة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي. رسمياً، تناولت هذه اللقاءات التعاون الاستراتيجي بين الدول، لكن محورها كان قضية الحرب ضد إيران، وسبُل منعها، والتداعيات الإقليمية المتوقعة منها.
حصلت هذه الدول على رصيد كبير لدى الرئيس ترامب، الذي استمع باهتمام كبير إلى مبرراتها، لكن حتى الآن، لم تتمكن من تقديم "البضاعة" وإقناع إيران بالموافقة، ولو على جزء من شروط واشنطن. وفي الوقت نفسه، أدركت إيران أن محاولاتها في الأعوام الأخيرة، الرامية إلى تحسين علاقاتها مع السعودية والإمارات وتعزيز علاقاتها مع مصر لم تُفِدها كجدار حماية. بل أكثر من ذلك، فإن شريكتَيها الاستراتيجيتَين، الصين وروسيا، اللتين وقّعت معهما اتفاقيات تعاوُن طويلة الأمد، لم تصمدا في اختبار الدفاع عنها، لا خلال حرب الـ12 يوماً، ولا الآن، وهي تواجه تهديداً أميركياً بالهجوم. والنتيجة أن إيران والولايات المتحدة تديران حواراً ثنائياً غير متكافئ، يوضع فيه بقاء النظام الإيراني على المحك، في مقابل المصالح الإقليمية للولايات المتحدة، من دون أي يقين بشأن مَن سيرفّ جفنه أولاً.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



