الثلاثاء 10 شباط 2026 - 0:04
كتب الكاتب الإسرائيلي حاييم غولوفنيتش مقالة في صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية تحت عنوان: "مفاوضات في ظل حرب". جاء فيها:
انتهت الجولة الأولى من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة بتفاؤل حذر، إذ كان متوقَعاً أن تُبدي إيران استعداداً للتليين في الملف النووي في مقابل تشديد مواقفها في ملف الصواريخ الباليستية، ومن المرجح أن تكتفي الولايات المتحدة باتفاق نووي فقط، لكنه سيكون ملزِماً بأن يتضمن عناصر جديدة وجوهرية. وإذا ما تبلور اتفاق كهذا فعلاً، فعلى إسرائيل أن تدعم الولايات المتحدة في هذا المسار، وألاَّ تشترط دعمها بتفكيك منظومة الصواريخ الباليستية أو بوقف الدعم الإيراني للوكلاء.
خلال جولة المفاوضات، التي تخللتها حتى مصافحة غير مخطَط لها بين ممثلي الدول، تم توضيح حدود ساحة التفاوض على النحو التالي: من وجهة نظر إيران، فإن قضية الصواريخ ليست مطروحة للنقاش كونها دفاعية بحسب رؤيتها. وفي المقابل، فقد أعلنت استعدادها للتليين في القضية النووية بما يطمئن الولايات المتحدة، كما صرح وزير الخارجية عباس عراقجي، لكن من دون الموافقة على وقف التخصيب بالكامل، أو إخراج 440 كيلوغراماً من اليورانيوم الذي في حوزتها إلى دولة ثالثة. كما أشار عراقجي إلى أن إيران مستعدة لمناقشة آلية نووية إقليمية، وهو اقتراح سبق أن طرحته الولايات المتحدة، ورفضته إيران في حينه.
كما عبّر ترامب ومبعوثوه عن تفاؤل نسبي إزاء اتفاق الطرفين على مواصلة المفاوضات في الأيام القريبة. ويبدو أنهم يراهنون على مرونة إيرانية إضافية، على الرغم من تصريحاتها، تنسجم مع المقترح القطري-التركي-المصري، الذي يتضمن وقف التخصيب لعدة أعوام، وإخراج اليورانيوم إلى دولة ثالثة، والتزام مستوى تخصيب منخفض مستقبلاً، حتى أدنى من ذلك الذي نص عليه اتفاق ] "JCPOA" خطة العمل المشتركة الشاملة للدول الخمس زائد واحد 2015.[
يبدو أن ترامب يفضّل التوصل إلى اتفاق نووي موثوق وصارم على خوض حرب ذات نتائج موضع شك، ما دام سيتم تنفيذ تعهده بألاَّ تملك إيران سلاحاً نووياً. كذلك الأمر، فإن المواقف الحازمة لحلفائه العرب، والدعم الصيني العلني لإيران، والخشية من أزمة اقتصادية عالمية، كلها أمور قد تنفجر بسبب أزمة نفط. وإن تفكك شبكة التحالفات والترتيبات الإقليمية التي تعمل الولايات المتحدة على بنائها في غزة ولبنان وسورية، وأساساً تأييد الرأي العام الأميركي -كما تُظْهِرُ استطلاعات الرأي- للتوصل إلى اتفاق، وليس للقيام بعمل عسكري، كلها عوامل تصب في مصلحة الاتفاق بدلاً من المواجهة العسكرية.
ومع ذلك، فمن المتوقَع والمأمول ألاَّ يوافق ترامب على اتفاق شبيه بـ "JCPOA" الذي انسحب منه سنة 2018، وهو ما سيتطلَّب من إيران اتخاذ قرارات مصيرية قريباً ستحدد ما إذا كانت تتجه نحو الحرب أم التسوية. ومن المرجَح أن تتنازل الولايات المتحدة في موضوع الصواريخ والوكلاء. لكنها ستكون مضطرة إلى التمسك بالمبادئ المذكورة أعلاه، وهو ما لا يقل أهمية: إنشاء آليات تنفيذ ورقابة فاعلة وموثوقة، لا تعتمد فقط على مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وإذا كانت إيران معنية بمنع هجوم ضدها، فستضطر إلى الموافقة على آلية رقابة إضافية بمشاركة أميركية مباشرة أو غير مباشرة (على أمل ألاَّ تكون آلية تركية-قطرية)، وأي شيء أقل من ذلك سيُعد فشلاً، ومن المرجَح أن يدفع الإصرار الإيراني الولايات المتحدة نحو مواجهة عسكرية لا ترغب فيها.
قضية الصواريخ الباليستية الإيرانية
شهد الموقف الإسرائيلي تجاه إيران تطوراً جوهرياً؛ فبعد أن كان التركيز لعقود منصبّاً على منع المشروع النووي الإيراني، فقد أضيف إليه الآن تهديد الصواريخ الباليستية. ومن باب الترتيب فقط، ومن دون التقليل من خطورة التهديد، يجدر التذكير بأن ملف الصواريخ الإيراني قديم قِدَمَ الملف النووي نفسه؛ فقد تطور هو الآخر خلال الحرب الإيرانية-العراقية، وتسارع بصورة خاصة في تسعينيات القرن الماضي.
وقد أقامت إيران صناعة صاروخية اعتمدت أساساً على التعاون مع سورية وليبيا، وعلى شراء صواريخ بمليارات الدولارات من كوريا الشمالية، إلى أن نجحت في إنتاج صواريخ "شهاب" محلياً، المستندة إلى صاروخ "نودونغ-1" الكوري الشمالي. وكما في الماضي، كذلك اليوم؛ سنة 1996، هدد علي شمخاني إسرائيل قائلاً إن إيران قادرة على إطلاق مئات الصواريخ على أي نقطة داخل إسرائيل.
وقبيل الزيارة العاجلة التي سيقوم بها نتنياهو إلى واشنطن على خلفية المفاوضات، يتعين على إسرائيل أن تؤيد أي اتفاق نووي يتم التوصل إليه وفق المبادئ المذكورة أعلاه، وبالتأكيد ألاَّ تبادر في هذه المرحلة إلى مهاجمة منظومة الصواريخ الباليستية الإيرانية. إن اتفاقاً نووياً صارماً وموثوقاً سيشكل انتصاراً إسرائيلياً واضحاً في صراع استمر عقوداً، وبلغ ذروته في إشراك الولايات المتحدة عسكرياً بصورة فعلية لمنع إيران من التحول إلى دولة نووية.
أمَّا تهديد الصواريخ، وبعكس ما يُعرض في الخطاب الداخلي الإسرائيلي، فليس جديداً، كما أن إيران لم تستخدمه عملياً حتى سنة 2024؛ فعمليتا "الوعد الصادق" 1 و2، وإطلاق الصواريخ الباليستية نحو إسرائيل، نُفذتا من جانب إيران فعلياً فقط بعد أن هاجمت إسرائيل القنصلية الإيرانية في دمشق، واغتالت إسماعيل هنية في طهران، وأطلقت عملية "شعب كالأسد" حزيران/يونيو 2025.
تجدر الإشارة إلى أن الدافع المباشر لزيارة نتنياهو العاجلة هو مطالبة إسرائيل بتقييد مدى الصواريخ الباليستية الإيرانية إلى 300 كيلومتر، إلاَّ إن احتمال قبول هذا المطلب ضعيف جداً.
على إسرائيل أن تساعد الولايات المتحدة في التوصل إلى اتفاق نووي جيد وموثوق، وإذا ما تم استكماله فعلياً بنجاح وبكامل بنوده، فستكون قادرة لاحقاً على معالجة تهديد الصواريخ الباليستية، إمَّا بالأساليب السرية تحت عتبة الحرب، كما عولج الملف النووي لأعوام طويلة، وإمَّا بضربة علنية إذا اقتضى الأمر في المستقبل، لكن أساساً عبر إقامة ردع علني وموثوق يوضح لإيران ما الذي ينتظرها حتى في حال إطلاق صاروخ واحد فقط في اتجاه إسرائيل.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



