دولي وعربي


الحزب ومعركة البقاء

الأربعاء 25 آذار 2026 - 0:04

 

تحت عنوان"زئير الأسد"، حرب حزب الله دفاعاً عن بقائه". كتبت أورنا مزراحي، الباحثة البارزة في معهد دراسات الأمن القومي تقريراً جاء فيه:

قبيل الحرب مع إيران، لم يكن انضمام حزب الله إلى المعركة أمراً مؤكداً؛ لقد أعلن التنظيم سياسة غامضة، وأكدت قيادته، وعلى رأسها الأمين العام نعيم قاسم، دعماً كاملاً لإيران، لكنها امتنعت من توضيح كيفية تصرُّفها. فالتنظيم، الذي يعاني ضعفاً عسكرياً وعزلة سياسية، ويواجه مطالب بنزع سلاحه، تردّد بشأن العودة إلى العمل العسكري، بعد أن امتنع من ذلك خلال الأشهر الـ15 التي تلت وقف إطلاق النار مع إسرائيل (تشرين الثاني/نوفمبر 2024)، وركّز خلالها على إعادة بناء قدراته، بدعم كبير من إيران.

إن قرار حزب الله فتح جبهة ضد إسرائيل في 2 آذار/مارس، على الرغم من علمه بأن ذلك سيكلفه ثمناً باهظاً، كان يهدف إلى تحقيق هدفين: تنفيذ التزامه تجاه إيران بمساعدتها في الحرب ضدها، عبر دفع إسرائيل إلى استثمار جهودها في الجبهة اللبنانية، وخصوصاً بعد أن اعتبرت قيادة التنظيم اغتيال علي الخامنئي خطاً أحمر، وخوفاً من أن تؤدي هزيمة إيران إلى وقف دعمها له، أو تقليصه. حاول الحزب تحسين وضعه الداخلي لوقف مسارات سلبية، من وجهة نظره، أبرزها: النشاط الإسرائيلي ضده الذي جرى حتى الآن من دون رد؛ سعي القيادة اللبنانية وأطراف كثيرة من النظام السياسي والرأي العام لنزع سلاحه وقطع صلته بإيران؛ والانتقادات الموجهة إليه داخل الطائفة الشيعية، وخصوصاً من أولئك الذين تضرروا في الحرب السابقة ولم يحصلوا على تعويض، وأصبحوا الآن بلا مأوى مرة أُخرى (تشير مصادر لبنانية وأممية إلى نحو مليون نازح في الحرب الحالية).

تعلن قيادة حزب الله أنها مستعدة لخوض حرب طويلة، هدفها وقف عمليات الجيش الإسرائيلي ضده، بعد أن فشلت القيادة اللبنانية في تحقيق ذلك عبر الوسائل الدبلوماسية. ويعمل التنظيم بتنسيق كبير مع عناصر الحرس الثوري الإيراني الموجودين في لبنان، الذين قُتل عدد من قادتهم خلال الحرب، ومن اللافت وجود فجوة بين مضمون البيان الأول لحزب الله بشأن انضمامه إلى الحرب عقب اغتيال الخامنئي (1 آذار/مارس)، والذي اتّسم بطابع ديني، وأثار انتقادات واسعة في لبنان بسبب اتهام التنظيم بالعمل لخدمة المصالح الإيرانية الأجنبية، وبين البيان الذي صدر في اليوم التالي، والذي ادّعى فيه التنظيم أنه فتح المواجهة مع إسرائيل بدوافع استراتيجية، رداً على هجمات الجيش الإسرائيلي المستمرة ضده، وأن ذلك يُعدّ خطوة دفاعية مشروعة في ظل الانتهاكات المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار من جانب إسرائيل، مع الاستمرار في إبراز مكانته كمدافع عن لبنان؛ كذلك لم يتم ذِكر إيران في الخطاب الأول الذي ألقاه الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم خلال الحرب (4 آذار/مارس)، وتم التأكيد أن حزب الله قرر إنهاء سياسة "الاحتواء"، ولم يعد لديه صبر إزاء وقف نشاط الجيش الإسرائيلي ضده عبر الوسائل السياسية.

بعكس المواجهة المحدودة التي خاضها حزب الله في حرب "السيوف الحديدية"، فإنه يستخدم كامل ترسانته منذ الأيام الأولى للحرب الحالية، ويُطلق العشرات، بل المئات من الصواريخ والطائرات المسيّرة يومياً، وبشكل أساسي نحو بلدات الشمال، وأيضاً إلى مسافات أبعد حتى مشارف حيفا، وأطلق أيضاً صواريخ باليستية محدودة (فاتح 110 وقادر 1) نحو وسط إسرائيل، ووصل أحدها حتى منطقة غلاف غزة.

على سبيل المثال، في 11 آذار/مارس، أعلن التنظيم البدء بعملية "العصف المأكول"، التي خطط خلالها لإطلاق نحو 600 صاروخ وقذيفة في اتجاه إسرائيل بالتنسيق مع إيران التي هاجمت في موازاة ذلك، إلّا إن الجيش الإسرائيلي أحبط نحو ثلثَي هذه القوة النارية الكبيرة، كذلك تم اعتراض معظم الصواريخ التي دخلت المجال الإسرائيلي.

تعتمد قدرات حزب الله على ما تبقى من أسلحته بعد المواجهة السابقة مع الجيش الإسرائيلي (والتي تُقدَّر بنحو 20% من قوته النارية قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023)، فضلاً عن الأسلحة التي تم ترميمها وتكديسها منذ وقف إطلاق النار (تشرين الثاني/نوفمبر 2024)، إذ امتنع خلال تلك الفترة من القتال، وركّز على إعادة بناء سريعة لقدراته، بدعم مالي وعسكري من إيران.

استمر هذا الدعم على الرغم من تراجُع قوة إيران ومحورها الإقليمي، والحاجة التي فُرضت على حزب الله لإيجاد طرق تهريب بديلة بعد انقطاع بعضها، وبشكل خاص نتيجة التغيير في النظام في سورية. وتشير التقديرات إلى أن ترسانة حزب الله قبيل الحرب الحالية شملت نحو 20.000-25.000 صاروخ وقذيفة، هي في معظمها قصيرة المدى، إلى جانب عدد محدود من الصواريخ المتطورة المتوسطة المدى القادرة على تغطية كامل العمق الإسرائيلي، فضلاً عن نحو ما بين 1000 و 2000 طائرة مسيّرة.

في إطار إعادة تنظيم قوات الحزب العسكرية والسياسية، استعدت "قوة الرضوان" مسبقاً لاحتمال دخول بري للجيش الإسرائيلي إلى الجنوب اللبناني، من خلال اعتماد أسلوب جديد قائم على توزيع القوات وانتشارها في مجموعات صغيرة ومتحركة. وتم ذلك مع بذل جهود لإخفاء التعيينات الجديدة في القيادتين السياسية والعسكرية، وإعادة انتشار القوات، خشية كشفها من طرف الاستخبارات الإسرائيلية.

على الساحة الداخلية اللبنانية، ازداد الضغط على حزب الله من الرئيس جوزاف عون وحكومة نواف سلام، والذي تركز منذ قرار الحكومة في آب/أغسطس 2025 على السعي لنزع سلاحه، وذلك بالتزامن مع تصاعُد التوتر قبيل الضربة الأميركية - الإسرائيلية المحتملة ضد إيران؛ عشية عملية "زئير الأسد"، طالب الرئيس والحكومة حزب الله بعدم الانضمام إلى الحرب إلى جانب إيران إذا ما تعرضت لهجوم، وادّعت القيادة اللبنانية أنها تلقّت تعهدات بأن إسرائيل ستمتنع من العمل في لبنان إذا امتنع حزب الله من فتح جبهة إضافية، وأعربت عن غضبها لأن التنظيم خرق تعهّده لها بعدم الانضمام إلى الحرب.

الرئيس عون، القلِق من تداعيات الحرب على لبنان الذي لا يزال يعاني جرّاء آثار الحرب السابقة، وبشكل خاص إذا طال أمدها، حسبما يصرّح مسؤولون إسرائيليون، سارع إلى عرض مبادرة على جهات دولية لوقفها، تضمنت عناصرها الأساسية وقف إطلاق نار شاملاً، وانسحاباً إسرائيلياً من الأراضي اللبنانية، تعزيز الجيش اللبناني ونشره على طول الحدود؛ كذلك أبدى موافقة غير مسبوقة على فتح محادثات مباشرة مع إسرائيل بوساطة دولية. ولاقت هذه المبادرة صدى واسعاً (كذلك طرحت فرنسا مبادرة مشابهة)، لكنها قوبلت برفض تام من حزب الله، الذي يشترط أي مفاوضات مباشرة بوقف كامل لعمليات الجيش الإسرائيلي وانسحابه من لبنان.

كذلك عارض رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، الحليف الشيعي لحزب الله، إجراء مفاوضات تحت النار، وهو يواجه حالياً قراراً بشأن الاستمرار في دعم الحزب. وتشير تقارير إعلامية إلى أن الحكومة اللبنانية تعمل على تشكيل وفدٍ للمحادثات على مستوى السفراء يضم ممثلين من مختلف الطوائف، لكنها تواجه صعوبة في إيجاد ممثل شيعي.

من وجهة نظر إسرائيل، إن خوض حرب مع حزب الله بالتزامن مع إيران ليس وضعاً مثالياً، لكن دخول الحزب إلى الحرب يخدم مصالحها؛ أمّا إسرائيل، فكانت مستعدة لجولة قتالٍ جديدة في الشمال، إدراكاً منها أن وتيرة إعادة بناء حزب الله لقدراته تفوق حجم الضرر الذي لحِق به، فضلاً عن غياب جهد حقيقي من الجيش اللبناني لتنفيذ قرار نزع سلاحه.

كما أن إعلان قائد الجيش اللبناني في كانون الثاني/يناير 2026 انتشار قواته في معظم مناطق الجنوب اللبناني حتى نهر الليطاني لم يكن دقيقاً، إذ يواصل حزب الله العمل في تلك المناطق.

ترى إسرائيل في هذا الوضع فرصة للعمل ضد حزب الله، وتعلن أن هدفها هو نزع سلاحه لإزالة التهديد. وعلى الرغم من اعتبار الجبهة اللبنانية "ثانوية"، مقارنةً بالحرب مع إيران، فإن القتال ضد حزب الله يبدو كأنه سيستمر حتى ما بعدها.

حالياً، تحظى العمليات في لبنان بدعم شعبي داخل إسرائيل، وبشكل خاص من سكان الشمال المتضررين من القصف، كذلك تحظى بشرعية من الإدارة الأميركية التي تبدي اهتماماً محدوداً بالمعركة ضد حزب الله. وبناءً على ذلك، يُقدَّر أنه حتى لو لم يتم نزع سلاح حزب الله بالكامل، فإن استمرار الحرب سيؤدي إلى إضعاف كبير لقدراته، وتراجُع مكانته الداخلية، وتقليص قدرة إيران على دعمه.

بناءً على ذلك، يمكن التقدير أنه حتى لو لم يتم نزع سلاح حزب الله بالكامل، فإن استمرار الحملة ضده سيؤدي إلى تآكل كبير في قدراته، وإلى إلحاق ضرر بالغ بمكانته الداخلية، وكذلك تقليص قدرة إيران على دعمه.

من هنا، فإن استمرار التحرك العسكري الإسرائيلي ضد حزب الله يبدو مبرراً، لكنه لا يمكن أن يكون كافياً بمفرده، بل يجب استغلال استعداد الحكومة اللبنانية للتقدم نحو مسار تفاوضي سياسي؛ لذلك:

‌أ- في القتال ضد حزب الله: يجب التركيز على ضرب التنظيم نفسه (قدراته، قيادته، عناصره العسكرية وبنيته التحتية)، مع تجنُّب استهداف البنية التحتية المدنية، أو الجيش اللبناني، حتى لا يتم إضعاف القيادة اللبنانية الحالية – الضعيفة أصلاً – أو تقويض شرعية إسرائيل في لبنان، وعلى الساحة الدولية.

‌ب- فيما يتعلق بوجود الجيش الإسرائيلي في لبنان: يجب تجنُّب الاحتلال التدريجي لأراضٍ يصعب الانسحاب منها، وكذلك تجنُّب نشر قوات كبيرة ربما تتحول إلى أهداف لعمليات حرب عصابات. لا يجب إنشاء "منطقة أمنية" حتى نهر الليطاني، وبالتأكيد عدم الحفاظ على وجود طويل الأمد، بل الاكتفاء بخط انتشار محدود داخل الأراضي اللبنانية للحفاظ على التفوق التكتيكي؛ كذلك يجب تعزيز وسائل الدفاع عن البلدات الإسرائيلية على طول الحدود (حواجز وتعزيز القوات والوسائل).

‌ج- على الصعيد السياسي: يجب الاستجابة بشكل إيجابي للمبادرات الرامية إلى التقدم في المسار السياسي، بدعم من الولايات المتحدة، بهدف التوصل إلى تفاهُم أمني مع لبنان (ليس بالضرورة اتفاقاً رسمياً)، وبمشاركة المجتمع الدولي، لتثبيت إنجازات الجيش الإسرائيلي في الحرب. يجب أن يحافظ هذا التفاهم على حرية عمل الجيش الإسرائيلي ضد التهديدات، وأن يمهّد لإجراءات داخلية لبنانية ودولية لنزع سلاح حزب الله كتنظيم عسكري، وأن يشمل إصلاحات في الجيش اللبناني وتعزيزه لتمكينه من تنفيذ سياسة الحكومة.

‌د- إزاء القيادة اللبنانية: إلى جانب إبداء التفهم لضعفها والرغبة في دعمها، يجب مطالبتها باتخاذ خطوات أكثر حزماً ضد حزب الله، بما في ذلك: إغلاق مؤسساته الاقتصادية والاجتماعية المستقلة، وإبعاد عناصره عن الحكومة والجهاز القضائي، ومنعه من السيطرة على البنية التحتية والموانئ والمطارات، وذلك في موازاة الجهد العسكري لنزع سلاحه، بهدف تقويض مكانته ونفوذه داخل مؤسسات الدولة.

*نقلاًَ عن مجلة الدراسات الفلسطينية



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة