دولي وعربي


الإسرائيليون: مذكرة التفاهم بين لبنان وإسرائيل إنجاز مهم

الاثنين 13 تموز 2026 - 0:10

تحت عنوان: "مذكرة التفاهم بين لبنان وإسرائيل إنجاز مهم حتى لو كان هناك شك في تنفيذها" كتب العقيد الإسرائيلي المتقاعد، عيران ليرمان مقالة في "معهد القدس للاستراتيجيا والأمن" جاء فيها:

إن مذكرة التفاهم المؤلفة من 14 بنداً، والمرفقة بملحقات تنفيذية سرّية، والتي وُقِّعت في 26 حزيران/يونيو 2026 في ختام الجولة الخامسة من المحادثات في واشنطن بين إسرائيل والحكومة اللبنانية، تُعَد إنجازاً سياسياً مهماً بحد ذاته، وإن لم تكن فرص تنفيذها على أرض الواقع في الجنوب اللبناني واضحة في ظل الظروف القائمة. وتنبع أهمية هذه المذكرة على المستوى الاستراتيجي من أربعة جوانب:

أولاً، الاعتراف اللبناني بإسرائيل وسيادتها في وثيقة رسمية (للمرة الأولى منذ سنة 1983). ومن الجدير بالذكر أن الاتفاق الخاص بالمياه الاقتصادية لم يُبرَم ولم يُوقَّع بشكل مباشر بين الطرفين، بل وقّع كل طرف اتفاقاً منفصلاً مع الولايات المتحدة. وفي ظل ظروف العزلة والعداء الراهنة، يكتسب هذا الأمر أهمية مضاعفة.

ثانياً، الاستعداد، ولو على المستوى المبدئي، للعمل على تفكيك جميع الميليشيات غير الحكومية (أي حزب الله والعناصر المرتبطة به)، مع التأكيد أنه لن يتم الانسحاب الإسرائيلي من لبنان ما دامت هذه الميليشيات تحتفظ بأسلحتها.

ثالثاً، الاتفاق على تنفيذٍ بالتدريج، وفق مبدأ "خطوة في مقابل خطوة"، وهذا يعني أنه بعد إخلاء كل منطقة محددة، سيكون في إمكان إسرائيل في كل مرحلة وقف العملية، في حال تبيّن أن الجيش اللبناني لا يفي بالالتزامات المطلوبة منه. ويتم ذلك تحت إشراف ومتابعة أميركية، وهذا ما تمت مناقشته خلال لقاء رئيس أركان الجيش الإسرائيلي في 1 تموز/ يوليو والمنسق الأميركي الفريق جوزيف كليرفيلد. ووفقاً لهذا التصور، فإن دور قوات اليونيفيل يصبح، عملياً، محدوداً إلى حد كبير.

وربما يكمن الجانب الأهم في التحول الذي طرأ على الموقف الأميركي، مقارنةً بصيغة مذكرة التفاهم مع إيران (17 حزيران/يونيو)، فيما يتعلق بالعلاقة بين التسوية مع إيران والوضع في لبنان؛ ففي مقابل مطالبة إيران بأن يكون لها دور في لبنان، وبانسحاب إسرائيلي كامل – وهو ما يُعتبر "منحدراً زلقاً" ربما يقود إلى مطالب إضافية، ويتضح أيضاً من صيغة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن على الولايات المتحدة "كبح جماح حيواناتها الأليفة" – فإن التفاهم مع لبنان لا يترك لإيران، ولا حتى لحزب الله، كطرف مستقل، أي مكانة سياسية في تحديد مستقبل لبنان.

في المقابل، تبقى علامات الاستفهام قائمة بشأن تنفيذ الاتفاق، في ظل إخفاقات التجارب السابقة؛ فالحكومة اللبنانية بقيادة الرئيس جوزاف عون، إلى جانب أصوات عديدة في الساحة اللبنانية، تبدو مصممة على تحرير البلد من هيمنة تنظيمٍ يدين بالولاء لقوة خارجية، هي إيران، إلّا أن الجيش اللبناني يضم عناصر تُعتبر قريبة من حزب الله، وما لم تتراجع سيطرة الحزب على الطائفة الشيعية، فمن غير الواضح ما إذا كان الجيش سيتمكن فعلاً من تنفيذ المهمة. ويمكن أن يساهم الدعم الخارجي، سواء من الدول الغربية، أو من دولة الإمارات العربية المتحدة، في تعزيز فرص النجاح. وفي المقابل، تقتضي المصلحة الإسرائيلية تجنُّب أي تدخّل من تركيا، أو النظام السوري في لبنان.

الجوانب المهمة في مضمون مذكرة التفاهم مع لبنان

هناك ما يبرر القول إن توقيع مذكرة التفاهم مع لبنان في 26 حزيران/ يونيو 2026 شكّل إنجازاً سياسياً مهماً بحد ذاته، وإن ظلت الشكوك قائمة بشأن فرص تنفيذها عملياً؛ فمن الناحيتين الرمزية والعملية، تجسد الوثيقة واقعاً جديداً في العلاقات بين الدولتين، وتحديداً بعد العمليات الإسرائيلية التي خلّفت دماراً واسعاً في لبنان، ولا سيما في الجنوب، وبعد أن أسفر وقف إطلاق النار السابق (17 نيسان/أبريل)، عملياً، عن تدهور الوضع الأمني، وازدياد الخسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي، ولا سيما نتيجة استخدام الطائرات المسيّرة الانتحارية، ثم تجدّد الهجمات، بالتدريج، ضد أهداف عسكرية ومدنية داخل إسرائيل.

في حين جرى التوصل إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين المنطقتين الاقتصاديتين الخالصتين (EEZ)، الذي وُقّع في سنة 2022، عبر مفاوضات غير مباشرة، إذ تفاوض كل طرف على حِدة مع المبعوث الأميركي عاموس هوكشتاين، كذلك جرى توقيع اتفاقين منفصلين مع الولايات المتحدة، شهدت هذه المرة خمس جولات من المحادثات المباشرة في واشنطن، قادها سفيرا الدولتين، وشارك في بعضها أيضاً مسؤولون عسكريون من الجانبين، حيث جرى توقيع الاتفاق بصورة مباشرة وثنائية أمام وسائل الإعلام، في تعبيرٍ عن تحوّل جوهري في طبيعة العلاقات.

من حيث المضمون، تتضمن مذكرة التفاهم ثلاثة عناصر رئيسية تتوافق مع المواقف الأساسية لإسرائيل:

أولاً، تجسّد المذكرة، سواء في صيغتها، أو في طريقة إدارة المفاوضات، مبدأ الاعتراف المتبادل بسيادة الدولتين، وتعبّر عن التطلّع إلى الوصول، بعد استكمال العملية، إلى حالة من السلام، وهي مفردات غابت عن الخطاب اللبناني أكثر من أربعين عاماً. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في الظروف الراهنة، في ظل ما يُعتبر عزلة سياسية شديدة لإسرائيل، فضلاً عن تراجُع العلاقات مع دول المنطقة التي كانت تُعد في السابق شريكات محتملات لتوسيع دائرة السلام.

ثانياً، تنص المذكرة بشكل صريح على ضرورة نزع سلاح الميليشيات التي لا تخضع لسلطة الدولة اللبنانية، وهو ما يعكس أحد المبادئ الأساسية لسيادة أي دولة، والمتمثل في احتكارها استخدام القوة العسكرية. وعلى الرغم من أن حزب الله لا يُذكر بالاسم، فإن المقصود واضح، وهذا ينعكس أيضاً في تصريحات الرئيس جوزاف عون وكبار المسؤولين في حكومته؛ كذلك تشهد الساحة اللبنانية اليوم تصريحات علنية وجريئة، تنتقد الوضع الذي وجد فيه لبنان نفسه يتكبد خسائر فادحة في حربٍ لا تخصّه، بل تُخاض خدمةً لمصالح دولة أجنبية، هي إيران. ويرى كثيرون في لبنان أن المسؤولية تقع على حزب الله، على الرغم من توجيههم أيضاً انتقادات إلى إسرائيل بسبب حجم الدمار الذي لحِق بالجنوب اللبناني.

ثالثاً، إن آلية التنفيذ المرحلية التي تعتمدها المذكرة لا تقلّ أهميةً عن ذلك، إذ إن كل انسحاب للجيش الإسرائيلي من منطقة محددة، وفق الجدول المتفق عليه في الملحقات السرية، سيُعتبر اختباراً لقدرة الجيش اللبناني – تحت إشراف أميركي – على فرض سلطته فيها ومنع حزب الله من العودة إلى التمركز فيها. وشكّل هذا النهج التدريجي، القائم على اختبار تنفيذ الالتزامات، قبل تقديم تنازلات تتعلق بالسيطرة على الأرض، ركيزة أساسية في اتفاقات فصل القوات في سبعينيات القرن الماضي (وفق مفهوم "الخطوة في مقابل الخطوة" الذي ارتبط بهنري كيسنجر)، وكان من المفترض أن يشكل أساساً للمسار الأصلي لاتفاق أوسلو، قبل أن ينحرف عن مساره.

أهمية البعد الأميركي

إن دور الإدارة الأميركية، في ظل الظروف الراهنة، في الدفع نحو اتفاق لا يمنح إيران أي موطئ قدم في لبنان يكتسب أهميةً بالغة. فقبل ذلك بتسعة أيام فقط، وقّع الرئيس دونالد ترامب مذكرة تفاهُم مع إيران تضمنت نصاً صريحاً يربط بين المفاوضات المرتقبة بشأن البرنامج النووي وحرية الملاحة في مضيق هرمز، وبين الوضع في لبنان والمطالب الإيرانية بانسحاب إسرائيل. وعكست المبررات التي قدمتها الإدارة الأميركية لتسويغ الاتفاق مع إيران تردداً في اللجوء إلى القوة، وتشكيكاً في القدرة على فتح المضيق بالقوة، الأمر الذي وضع إيران، ولو بصورة غير مباشرة، في موقع قوةٍ فيما يتعلق بمستقبل الاقتصاد العالمي.

في ضوء هذه الرسائل، وفضلاً عن ازدياد الصعوبات التي يواجهها حزب الله داخل الساحة اللبنانية، سارعت إيران إلى طرح مطالبها إزاء إسرائيل في هذا الملف، وأضفت عليها طابعاً علنياً وحاداً  أقرب إلى "الابتزاز والتهديد"... ولا تكمن المشكلة في خطورة هذه المطالب فحسب، بل أيضاً في أن أي خطوة تُعتبر استجابةً لإملاءات إيرانية، ستتحول فوراً إلى نقطة انطلاقٍ لسلسلة جديدة من المطالب، وهو ما يُعرف بمفهوم "المنحدر الزلق" في تقديم التنازلات أمام خصمٍ في موقع قوة.

أمّا الاتفاق مع لبنان، فإنه يُبقي إيران خارج المعادلة اللبنانية. وهذا الموقف ينسجم أيضاً مع الموقف المعلن للقيادة اللبنانية، التي تعتبر هذا المسار وسيلة لتحرير البلد من هيمنة طرف خارجي. كما أن حزب الله ليس طرفاً في القرارات المتخذة، على الرغم من أنها تمسّ بمستقبله كقوة عسكرية. وفي الوقت نفسه، تبعث الولايات المتحدة برسالة لنظام الحرس الثوري في طهران، مفادها بأن أوراق اللعبة ليست كلها في يديه.

ليس من الصواب، ولا سيما من المنظور الإسرائيلي، الانشغال بالتكهنات بشأن موازين القوى داخل إدارة ترامب، أو أسباب التغيير في توجّهات الرئيس، والذي تجلّى أيضاً في تجديد التحذيرات الموجهة إلى إيران بشأن ما يمكن أن يحدث إذا لم تُثمر المحادثات أي نتيجة، يكفي القول إن التحرك الأميركي إزاء  لبنان يعكس إدراك الإدارة، والرئيس شخصياً، لحجم المخاطر التي نشأت نتيجة "نشوة الانتصار" الإيرانية، ثم الحاجة إلى وضع حدٍّ لهذا المسار.

ماذا بعد؟

إن الخطوة الأولى من الاتفاق في المناطق "التجريبية" تصب في المصلحة المشتركة للطرفين، ويمكن الاعتقاد أن تنفيذها، بسبب نطاقها المحدود وأهدافها الواضحة، يمكن أن ينجح. ومع ذلك، فإن المسار الأوسع لا يزال بعيداً عن اليقين، سواء على المستوى العسكري في الميدان، أو على المستوى السياسي المتعلق بتطور العلاقات بين الدولتين.

في هذا السياق، يجب أن نتذكر  الطريقة التي أفشلت بها سورية، عبر التهديد باستخدام القوة، تنفيذ اتفاق السلام الذي تم التوصل إليه في محادثات اليرزة في سنة  1983؛ والسهولة النسبية التي تمكّن بها حزب الله من هزيمة الجيش اللبناني في أيار/مايو 2008، عندما اندلع النزاع بشأن السيطرة على مطار بيروت وشبكة الاتصالات الخاصة بالحزب.

مع ذلك، ثمة فروقات مهمة بين الأمس واليوم. فحزب الله اليوم أضعف كثيراً مما كان عليه حتى سنة 2024، كما أن عمقه الاستراتيجي في سورية انهار، وبات يواجه أيضاً تهديداً ضمنياً من النظام الحالي في دمشق، وهو ما حرص الرئيس ترامب على إبرازه، والسعي لمحاسبته على دوره في المجازر التي ارتُكبت بحق الشعب السوري، عبر دعمه نظام الأسد. واليوم، تشهد الساحة اللبنانية ازدياداً في الدعوات إلى تحرير البلد من النفوذ الإيراني، وهو ما يعزز فرص نجاح الاتفاق.

في المقابل، يمكن لتنفيذ التفاهمات مع إيران بشأن رفع العقوبات منحها القدرة على إعادة بناء قدرات حزب الله، بما يهدد تنفيذ الاتفاق بين لبنان وإسرائيل؛ كذلك يمكن أن يأتي التحدي مباشرةً من إيران، عبر تنفيذ تهديداتها، لكن طهران تكتفي في الوقت الراهن بإطلاق التهديدات من دون الإقدام على تنفيذها.

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة