الأربعاء 8 تموز 2026 - 0:08
تحت عنوان: "الاقتصاد الإسرائيلي بعد ثلاثة أعوام من الحرب"، كتب السياسي والدبلوماسي الإسرائيلي زلمان شوفال مقالة في صحيفة "معاريف" جاء فيها:
في نهاية الشهر الماضي، أعرب صندوق النقد الدولي، ومقرّه في واشنطن، عن ثقته بالاقتصاد الإسرائيلي. وعلى الرغم من أنه أرفق تقييمه ببعض التحفظات، فإن الرسالة الإيجابية الأساسية كانت واضحة: "حتى بعد ثلاثة أعوام من الحرب، لم يدخل الاقتصاد الإسرائيلي في أزمة، بل بالعكس، يواصل إظهار قدرة استثنائية على الصمود."
وحسبما أشارت مجلة الإيكونوميست البريطانية في مقالٍ نُشر قبل ذلك، فإن "الاقتصاد الإسرائيلي مزدهر، وسوق الأسهم الإسرائيلية تتطلع إلى المستقبل، ومعدلات التضخم والبطالة منخفضة، ومنحنى الصادرات يتجه نحو الارتفاع."
ورسم تقريرٌ آخر صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، التي تضم الدول المتقدمة، صورةً مماثلة للتعافي السريع للاقتصاد الإسرائيلي وقدرته على تحقيق النمو. وتتناقض هذه المؤشرات الإيجابية مع التطورات الاقتصادية الصعبة في كثير من الدول الأوروبية، بما في ذلك ألمانيا، ولا سيما أيرلندا، حيث انخفض ناتجها المحلي الإجمالي بنسبة 12%، الأمر الذي دفع منطقة اليورو بأكملها إلى الاقتراب من حافة الركود.
لا بد من الاعتراف بأن الاقتصاد الإسرائيلي يشهد أيضاً ظواهر أُخرى، يعود بعضها إلى اختلالات هيكلية أساسية، وإذا لم تُعالَج، فربما تؤدي إلى نتائج تتعارض مع التوقعات الإيجابية.
كذلك يجب الإشارة إلى أن الحكومة وبنك إسرائيل ومختلف الجهات الفاعلة في السوق لم تنجح في كبح ارتفاع غلاء المعيشة، وهو ما يضرّ برفاهية المواطنين، ويُضعف القدرة التنافسية للاقتصاد الإسرائيلي، بما في ذلك قطاع التكنولوجيا العالية (الهاي تك)، في مختلف الأسواق الدولية.
ومن أكثر المؤشرات إثارةً للقلق من الناحية الاقتصادية أن العجز في الموازنة يُتوقع أن يبلغ 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي في سنة 2026. وإذا تحقق ذلك، فستكون هذه السنة الرابعة على التوالي التي تسجل فيها إسرائيل عجزاً يتجاوز 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
قبل أعوامٍ، طرح عدد من الاقتصاديين ذوي التوجهات اليسارية، ولا سيما في الولايات المتحدة، وحتى في جامعاتٍ مرموقة، مثل هارفارد وستانفورد، "نظريات خاطئة" تزعم أنه لا ضير في العجز المالي، الذي ربما يساهم في تعزيز رفاهية المجتمع، لكن هذا النهج الاقتصادي يمكن أن ينقلب إلى نتيجة عكسية، في حال أدى تضخُّم الدين العام بشكل غير متناسب إلى إعاقة قدرة الدولة على مواجهة الأزمات والضغوط التي يمكن أن تنشأ نتيجة تطورات أمنية، أو أزمات دولية، فضلاً عن أن "الهوامش"، أو الاحتياطيات المالية التي مكّنت إسرائيل في السابق من التعامل مع أزمات مماثلة، استُنزفت إلى حدٍّ كبير بسبب الحرب، وبسبب تخصيص مبالغ كبيرة لأغراضٍ ائتلافية. ويجب التحذير من أن استمرار هذا الوضع ربما يؤدي، من بين أمور أُخرى، إلى زيادة الضرائب.
إلّا إن الاقتصاد ليس عِلماً دقيقاً، وأحياناً، لا تكون التوقعات الاقتصادية سوى رهانات في أسواق التنبؤ؛ لذلك، في مقابل توقعاتٍ تحمل في طياتها، مثلاً، اضطرابات أمنية في الشرق الأوسط، أو تحذيراً بشأن انخفاض معدلات مشاركة الحريديم (اليهود المتدينون المتشددون) والنساء العربيات في سوق العمل، ربما يحدث أيضاً تطوُّر إيجابي يتمثل في هدوء أمني نسبي واندماج جيوسياسي متقدم على غرار اتفاقيات أبراهام، على الرغم من أن فرص ذلك تراجعت بسبب ضعف إدارة ترامب ونتائج الحرب غير المحسومة مع إيران.
من القضايا المهمة التي لا تمنحها التوقعات الاقتصادية اهتماماً كافياً، التدهور المستمر في مستوى الحوكمة في معظم المجالات داخل إسرائيل؛ فالمزاعم بشأن "الدولة العميقة" ووجود مجموعات نفوذ ذات مصالح، من قانونيين وموظفين ومسؤولين غير منتَخبين يديرون الدولة ومؤسساتها من وراء الكواليس، ليس مجرد اختراع كامل، لا في الولايات المتحدة، ولا في إسرائيل، لكن في المقابل، توجد أيضاً حقيقة أُخرى، وهي أن أجهزة الدولة والمؤسسات العامة تعاني جرّاء عددٍ من أوجه القصور.
خلال فترة الجمهورية الرابعة في فرنسا، عندما كانت الحكومات تؤلَّف وتسقط بشكل متكرر، كانت البيروقراطية المهنية وغير السياسية هي التي تساهم في تحقيق نموّ اقتصادي كبير وتحسين كفاءة معظم الأجهزة الحكومية؛ أمّا خلال فترة حكومات اليسار في إسرائيل الفتية، فكان الانتماء الحزبي المناسب شرطاً مسبقاً للحصول على معظم الوظائف المهمة. ومع ذلك، وُضعت معايير عالية للمستوى المهني أثبتت نجاحها، وحافظت على وجودها حتى بعد التحول السياسي، عندما كان في إمكان كتلة كبيرة من حزب الليكود فرض نفوذها على شركائها في الائتلاف الحكومي، لكن في الأعوام الأخيرة، لم يعُد الموجودون في السلطة يلتزمون هذه المعايير، وكانت النتيجة بروز الفساد في الحوكمة، فضلاً عن أن نظام الانتخابات المعيب يساهم أيضاً في تضخّم معظم التشكيلات الائتلافية، ويؤدي إلى كثرة التعيينات؛ فالانتخابات باتت قريبة، لكن لا يبدو كأن أيّاً من المعسكرَين يبدي استعداداً للتعامل مع هذه المشكلة؛ فهل ستتمكن القوى الاقتصادية والاهتمام الدولي بالوضع الإسرائيلي من الدفع نحو إحداث التغييرات الضرورية؟
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



