الجمعه 10 تموز 2026 - 0:09
تحت عنوان: "هل أخفقت إسرائيل استراتيجياً؟ العكس تماماً هو الصحيح"، كتب العميد الإسرائيلي داني فان بيران مقالاً في صحيفة " يديعوت أحرونوت". جاء فيه:
مجدداً، تتردد أصداء طبول الحرب من واشنطن، التي تهدد باستئناف الحرب ضد إيران. ويُظهر التغيّر الحاد في موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه يجب دائماً في الشرق الأوسط النظر إلى الصورة الكبرى، وعدم التسرع في استخلاص الاستنتاجات، بناءً على اتفاق موقت، أو تغريدة في مواقع التواصل الاجتماعي.
الأسبوع الماضي، حلّت ذكرى مرور ألف يوم على هجوم السابع من أكتوبر، وهي محطة تستوجب النظر إلى الصورة الأشمل. مؤخراً، حاول كثيرون من النقاد تصوير الحرب على أنها فشل استراتيجي، لكن قراءة واقعية للأحداث تقود إلى استنتاج مختلف: لقد أحدثت إسرائيل تحولاً استراتيجياً عميقاً في الشرق الأوسط. إنها عملية طويلة ستستمر أعواماً، ويجب أن يكون هدفها النهائي إسقاط النظام الإيراني؛ أمّا محاولة فرض حلول فورية، فلا تنجح في واقع الشرق الأوسط، حيث يمتد الأفق الزمني لدى الخصوم عقوداً طويلة أحياناً.
من أبرز الانتقادات التي طُرحت مؤخراً، أنه كان يمكن إنهاء الحرب في غزة قبل الدخول إلى رفح، وأنه كان يجب إقامة بديل من حكم "حماس" يتمثل في السلطة الفلسطينية، وأن إسرائيل دفعت أثماناً باهظة، من دون تحقيق مكاسب استراتيجية حقيقية. وترتكز هذه الادعاءات على مفاهيم قديمة، أبرزها أن التسوية السياسية مع الفلسطينيين هي حجر الأساس لحلّ الصراع العربي الإسرائيلي، وأن الانسحابات الإقليمية ستؤدي إلى الاستقرار.
لكن الإدراك الذي يجب أن نتوصل إليه يفرض علينا إعادة النظر في هذه الرؤية التي انهارت، ولأن الطرف الآخر يعتبر الرغبة في السلام علامة ضعف إسرائيلية، ويعتبر أيضاً أن فكرة أن السلطة الفلسطينية يمكن أن تشكل بديلاً مستقراً من "حماس"، تتجاهل الواقع؛ أولاً لأن "حماس"، التي سيطرت بالقوة على قطاع غزة ... لن تقبل ذلك، وثانياً، لأن السلطة الفلسطينية نفسها تمثل عاملاً يحرّض على "الإرهاب" ويدعمه.
لو استجابت إسرائيل للدعوات المطالِبة بإنهاء الحرب قبل دخول رفح، لاستمرت "حماس" في الاحتفاظ بمعاقلها بالقرب من بلدات غلاف غزة، ولَكان حزب الله بقيادة حسن نصر الله عاد إلى التمركز بالقرب من بلدتَي المطلة وشتولا، ولظلّ نظام بشار الأسد لاعباً مهماً في المحور الإيراني، وربما امتلكت إيران سلاحاً نووياً.
من هذا المنطلق، لم تكن الحرب مجرد حملة عسكرية ناجحة، بل شكلت أيضاً نقطة تحوُّل في المفاهيم الاستراتيجية، إذ تمثل انتقالاً من سياسة إدارة الصراع والاحتواء إلى سياسةٍ تهدف إلى تقليص قدرات الخصوم بشكل استباقي وإزالة التهديدات الاستراتيجية.
من الصعب التقدير ما إذا كانت الولايات المتحدة ستعود قريباً إلى حرب واسعة النطاق ضد إيران، لأن المواقف الأميركية تتغير باستمرار، الأمر الذي يتطلب من إسرائيل قدراً كبيراً من الحكمة لتحقيق مكاسب سياسية، كذلك يجب أن يترافق الاستعداد للتنازل عن أهداف تكتيكية مع التمسك بالخطوط الحمراء المتعلقة بالأهداف الاستراتيجية، حتى لو أدى ذلك أحياناً إلى خلاف محسوب مع الولايات المتحدة.
ضمن هذا الاطار، يمثل الاتفاق الذي وُقّع مع الحكومة اللبنانية "ضربة قاضية" للنظام الإيراني، لأنه يمنح الشرعية لبقاء الجيش الإسرائيلي في المنطقة الأمنية، وفي الوقت عينه، يعكس ابتعاد لبنان عن النفوذ الإيراني، لكن الصراع على أمن الحدود الشمالية لم ينتهِ بعد.
في موازاة ذلك، يسيطر الجيش الإسرائيلي على معظم أراضي قطاع غزة، ويواصل عملياته ضد "حماس"، في حين تبدو محاولة نزع سلاح الحركة، عبر ترتيبات سياسية، كأنها شبه مستحيلة.
يجب التشديد على أن المعركة الكبرى لم تنتهِ بعد؛ فترامب يبعث بإشارات تدلّ على نفاد صبره تجاه إيران، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الحرب ستُستأنف في المستقبل القريب. ومع ذلك، وانطلاقاً من الاعتقاد أن إيران لن تتخلى مطلقاً عن أهدافها الأساسية، فإن نشوب مواجهة جديدة ليس سوى مسألة وقت.
لكن على ساحة واحدة تحديداً، ما زالت إسرائيل تعقّد الأمور، وهي ساحة الوعي والرأي العام؛ ففي حين تحققت على الأرض إنجازات عسكرية وسياسية مهمة، يقدّم جزء من الخطاب العام والحملات السياسية صورة معاكسة تماماً. إذ كُتب هذا الأسبوع على لوحات إعلانية بشكل صريح "فشل كامل: في إيران. في لبنان. في غزة".
إن النقد عنصر أساسي في أي نظام ديمقراطي، لكن تبنّي رواية الهزيمة يضرّ بالحصانة الوطنية، ويمنح العدو إنجازاً على صعيد الحرب النفسية والإعلامية لم يتمكن من تحقيقه في ساحة القتال.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



