دولي وعربي


أيزنكوت وقع في فخ نتنياهو

الجمعه 18 أيلول 2026 - 0:07

تحت عنوان: "فقط ليس مع "القائمة العربية الموحدة" (راعم)؛ أيزنكوت وقع في فخ نتنياهو" كتبت الكاتبة الإسرائيلية ميراف بتيتو مقالة ونشرتها صحيفة "يديعوت أحرونوت" جاء فيها:

غادي أيزنكوت يسير على حبل مشدود، يرفع ساقاً ثقيلة في الهواء، وبمشقة ينجح في موازنة يديه الاثنتين: إحداهما تمسك بوزن أمني، والثانية بوزن سياسي. عليه أن يُكمل هذه الخطوة حتى نهايتها، وأن يجيب بحزم عمّا إذا كان سيجلس في حكومة واحدة مع العرب، أم سيستبعدهم مسبقاً لأنهم عرب؛ و يعيد وضع قدمه على أرض آمنة، ويرسّخ الزخم الإيجابي المحيط به، وألّا يسقط، لا سمح الله، في هاوية الفخ المعروفة المفتوحة تحته، والجاهزة لالتقاطه عند سقوطه.

عليه أن يزِن كلماته بالميلليغرام، وأن يوضح اللقاءات التي جمعته برؤساء المجتمعات العربية والبدوية والدرزية، وأن يتوخى الحذر من أن يلتصق به الشك المرعب في أنه يحبهم، وأن الله يساعدهم، بل يريد رفاههم ومصلحتهم.

إنه كمين مُعدّ جيداً، لكنه سهل التنفيذ، ويعتمد خوارزمية بسيطة تستند إلى هوية يهودية تعاني قلقاً وجودياً، يمكن استهدافها بمجموعة من الحلول السريعة، من "الموت للعرب"، إلى "لن نجلس معهم في الحكومة نفسها". إن خبرة أيزنكوت كرئيس للأركان لا صلة لها على الإطلاق بهذا الحدث، وإذا تأمّلنا ردّه المتسرع، الذي يتّسم بالإنكار التام، والذي عُزّز أيضاً بتسجيل مصوّر، يتضح أن المعارك الكثيرة التي خاضها لم تكن لتؤهله في هذه الحرب على وعي من النوع الذي يتقنه نتنياهو إلى حدّ كبير. في هذه الجولة بالذات، وعلى الرغم من أن أيزنكوت، المرشح الأوفر حظاً، نجح في الحفاظ على توازُنه واعادة بلورة موقفه، بحيث لم يقدّم أيّ تعهدات، وخصوصاً إزاء العرب، فإن نتنياهو يفوز مجدداً.

جاء فيديو ردّ نتنياهو في وقت الذروة، قبل بدء برامج الأخبار في القنوات المتعددة، مع ابتسامته، مرتدياً سترته الرمادية، وبهدوء واختصار، يشرح الأسرار المظلمة الكامنة في الاجتماع: "غادي أيزنكوت قال بوضوح: سأضم القائمة العربية الموحدة (راعم) إلى الائتلاف الذي سأشكله." هذا  بالضبط ما كان ينتظره نتنياهو في مطبخه ليصنع منه طبخة لذيذة في ليلة الانتخابات.

في الصباح، بدأ أيزنكوت ينشر توضيحات عاجلة، متخذاً موقفاً اعتذارياً ودفاعياً، بدلاً من أن يقول: "سنضم عباس ويوآف سيغالوفيتش إلى أيّ حكومة تتفق مع المبادئ الأساسية للأغلبية اليهودية"، فضّل إنكار الاتهامات الضمنية، قائلاً إنه لم يتطرق إطلاقاً إلى تركيبة الحكومة المستقبلية،  بل نشر أيضاً تسجيلاً مصوراً لإثبات أقواله؛ وهذا كله انتهى بضجة كبيرة أحدثها رئيس الحكومة الذي لم يكن يستطيع أن يأمل بمادة إعلامية ساخنة أكثر من هذه المادة؛ ها هو أخيراً ينجح في إلصاق تهمة بالمرشح الأبرز، ومن دون أن يسمح لأحد بإزعاجه بالحقائق مثلما حدثت فعلاً.

في هذه الأثناء، ينجح رئيس هيئة الأركان السابق ورئيس حزب "يشار"، والذي تبدو قائمته متذبذبة بعض الشيء، في الحفاظ على مكانته واستخدام ما تبقّى من قدراته الخطابية والإعلامية من أجل نفض فتات غبار الاتهامات الخطِرة الموجهة إليه. لكن الصيغة لدى استرجاعها لا تسلط الضوء إلّا على  الثقب الأسود للشك، وتؤكد أكثر العبثية في أيّ حملة انتخابية. أيزنكوت، شأنه شأن زملائه على رأس الأحزاب المتعددة، يخضع لطقوس مهينة تستبعد وجود العرب، أياً كانوا، في أيّ حكومة في إسرائيل، ومثلهم يجيب طوعاً عن أسئلة عبثية: "قل لي ما إذا كنت ستجلس في حكومة مع العرب، وأنا أقول لك إن كنت يهودياً مخلصاً." وهو وهُم يتعاونون مع سردية شُحذت حتى أصبحت سيفاً عنصرياً، ويوافقون مسبقاً على قطع أيّ خيط مع  التفاهمات المعتدلة داخل المجتمع الإسرائيلي.

لن يعترفوا بأنهم لطالما فضّلوا التفاهمات المدنية الهادئة على الهستيريا القومية، وأن جميع المرشحين، ابتداءً من صانع هذه المدرسة نتنياهو - الذي سعى، بحماسة، لاستمالة منصور عباس في سنة 2021، ووعده بإلغاء قانون كامينيتس، وتسوية أوضاع التجمعات البدوية في النقب، وتخصيص ميزانيات ضخمة وخطط خماسية، ووجّه إليه أربع دعوات إلى مقر إقامته الرسمي في بلفور، مروراً بجميع أعضاء "حكومة التغيير"، من أفيغدور ليبرمان ونفتالي بينت، إلى بني غانتس، ومن يائير لبيد إلى يائير غولان،  كانوا فعلاً سيضمّون"راعم" إلى الحكومة.

إنهم يقبلون العرب كأطباء ينقذون الأرواح في المستشفيات، وممرضات وممرضين، وصيادلة موثوق بهم، ومقدّمي رعاية تمريضية للعاجزين والضعفاء، وسائقي سيارات أجرة متاحين، ومحاضرين ومربّين في الأوساط الأكاديمية، وعمال بناء ومهندسي ميكانيك، ومعبّدي طرقات ومخطّطي مدن، وشرطيين وقضاة، لكن ليس كأعضاء في الحكومة.

ربما عليهم أن يتعلموا من اليمين، الذي لم يخَف في صيف 2021 من القول بصوت عالٍ ما يعرفه الجميع منذ زمن؛ فعبارات مثل: "من الغباء رفض شجاعة عباس"، أو "أنا أفضّل راعم على ميرتس"، أو "سأكون سعيداً برؤيته وزيراً للتعاون الإقليمي"، كلها اقتباسات لشخص واحد هو عميحاي شيكلي، الذي لم يكن سوى صدى لرسائل طُلبت منه.

إن خوف قادة كتلة التغيير من الاعتراف بواقع حيٍّ من التعايش يعكس جموداً قيادياً، والأسوأ من ذلك، أنه يعكس للجمهور إرث نتنياهو، وعلى غرار لغة استطلاعات الرأي في القنوات المتعددة: الأحزاب الحريدية التي ترفض التجنيد تُحتسب كأحزاب صهيونية، بينما العرب سيهمَّشون دائماً،  وسيخسرون بسبب دينهم.

*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة