الثلاثاء 23 حزيران 2026 - 0:01
خاص (أيوب)
وجّه الرئيس السوري أحمد الشرع عبر الحوار الذي أجراه مع قناة "المشهد" رسائل متعددة إلى اللبنانيين. هي أعمق من مجرد مواقف إعلامية عابرة، وبدت أقرب إلى إعلان رؤية سورية جديدة تجاه لبنان بعد التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة.
أولاً: انتهى زمن الوصاية السورية
أراد الرئيس الشرع أن يقول للبنانيين إن سوريا الجديدة ليست سوريا ما قبل عام 2005.
ففي أكثر من محطة شدد على أن دمشق لا تفكر بإرسال جيش إلى لبنان، ولا بإعادة إنتاج التجربة السابقة التي قامت على النفوذ الأمني والعسكري المباشر.
وكان واضحاً أنه يحاول طمأنة القوى اللبنانية، وخصوصاً المسيحية والسنية، بأن المرحلة المقبلة لن تشهد عودة الضباط السوريين أو الأجهزة الأمنية السورية إلى لبنان تحت أي عنوان.
بمعنى آخر، أراد أن يقطع الطريق على أي مقارنة بين عهده والعهد السوري السابق.
ثانياً: أمن لبنان جزء من الأمن السوري
الرسالة الثانية كانت أن سوريا لم تعد تنظر إلى لبنان كساحة نفوذ، بل كساحة استقرار ضرورية لها.
الرئيس الشرع يدرك أنّ أي انفجار أمني أو فوضى في لبنان ستنعكس مباشرة على الداخل السوري من خلال الحدود المشتركة، وحركة النزوح، والاقتصاد، والأمن.لذلك حاول التأكيد أن مصلحة دمشق اليوم هي قيام دولة لبنانية مستقرة وقادرة، لا دولة ضعيفة ومفككة.
ثالثاً: رسالة مباشرة إلى حزب الله
هذه كانت ربما الرسالة الأوضح والأكثر حساسية.
الرئيس الشرع لم يهاجم الحزب بطريقة مباشرة، لكنه تحدث عن ضرورة مراجعة التجارب السابقة والانتقال إلى مرحلة جديدة.
وفي العمق، كان يقول للحزب إن البيئة الإقليمية تغيّرت، وإن مرحلة المحاور العسكرية المفتوحة تقترب من نهايتها.
كما حمل كلامه تذكيراً ضمنياً بأن الحرب السورية تركت جروحاً عميقة داخل المجتمع السوري بسبب مشاركة الحزب فيها.
لذلك يمكن اعتبار أن الرئيس الشرع دعا الحزب بصورة غير مباشرة إلى إعادة التموضع داخل الدولة اللبنانية بدل البقاء في موقع القوة العسكرية المستقلة.
رابعاً: دعم واضح لعهد جوزاف عون
بين سطور المقابلة ظهر دعم سوري واضح للعهد اللبناني الحالي.
الرئيس الشرع تحدث بإيجابية عن المؤسسات اللبنانية وعن ضرورة دعم الدولة.
وهذا يعني عملياً أن دمشق باتت ترى في رئاسة الجمهورية والجيش اللبناني والحكومة الحالية شركاء أساسيين في المرحلة المقبلة.
وهو ما ينسجم مع المؤشرات التي ظهرت خلال الأشهر الماضية لجهة التقارب بين بعبدا ودمشق.
خامساً: طرابلس هي البوابة
من الرسائل اللافتة أيضاً حديثه المتكرر عن الاقتصاد والمرافئ.
فالشرع يدرك أن سوريا بعد الحرب تحتاج إلى منافذ اقتصادية وتجارية، وأن لبنان يمكن أن يلعب دوراً مهماً في هذه العملية.
لذلك ركّز على أهمية التعاون الاقتصادي وعلى دور الشمال اللبناني، وخصوصاً طرابلس، في المرحلة المقبلة.
وهنا كان يوجّه رسالة مباشرة إلى أبناء الشمال اللبناني بأن سوريا لا تنظر إليهم كخصوم بل كشركاء اقتصاديين محتملين.
سادساً: لا حرب جديدة في المنطقة
أحد أهم الرسائل غير المباشرة كان أن دمشق تراهن على التسويات لا على الحروب.
فالشرع تحدث بلغة سياسية هادئة بعيدة عن الخطاب التصعيدي الذي كان سائداً في المنطقة خلال السنوات الماضية.
وهذا يعكس قناعة بأن المرحلة المقبلة ستُبنى على التفاهمات الإقليمية والدولية، لا على المواجهات العسكرية.
ماذا أراد أن يقول في الخلاصة؟
يمكن اختصار رسالة الرئيس أحمد الشرع إلى اللبنانيين بالآتي:
"سوريا الجديدة لا تريد السيطرة على لبنان، بل تريد التعاون معه. لا تريد فتح جبهات جديدة، بل تريد الاستقرار. لا تريد إدارة لبنان من دمشق، بل التعامل مع دولة لبنانية قوية. كما أن المرحلة المقبلة هي مرحلة اقتصاد وإعمار وتسويات، لا مرحلة سلاح ومحاور وحروب."
ولهذا السبب اعتبر كثير من المراقبين أن المقابلة لم تكن موجهة فقط إلى اللبنانيين، بل أيضاً إلى العواصم العربية والغربية، وإلى "حزب الله" وإيران وإسرائيل في آن واحد، باعتبارها إعلاناً عن الموقع الذي تريد سوريا الجديدة أن تتموضع فيه داخل الشرق الأوسط المقبل.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



