السبت 20 حزيران 2026 - 0:00
خاص (أيوب)
يدخل وقف إطلاق النار في جنوب لبنان مرحلة دقيقة وحساسة، وسط تباين واضح بين الرغبة الدولية في تثبيته وبين الوقائع الميدانية التي لا تزال تحمل عناصر توتر قابلة للانفجار في أي لحظة. فمنذ الإعلان عن التفاهمات الأخيرة برعاية أميركية، تراجعت وتيرة المواجهات الواسعة، إلا أن المنطقة الحدودية لا تزال تعيش على إيقاع الخروقات والرسائل العسكرية المتبادلة، ما يطرح سؤالاً أساسياً: هل يصمد وقف إطلاق النار أم أنه مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من التصعيد؟
تشير المعطيات الحالية إلى أنّ الأطراف المعنية لا تبدو راغبة في العودة إلى حرب شاملة في المدى المنظور. فالولايات المتحدة التي رعت الاتفاق تعتبره مدخلاً لإطلاق مسار سياسي وأمني أوسع بين لبنان وإسرائيل، فيما يواصل المجتمع الدولي الضغط من أجل تثبيت الهدوء وتهيئة الظروف لعودة الاستقرار إلى الجنوب. كما أن الاتحاد الأوروبي دعا بشكل واضح إلى الالتزام الكامل بالاتفاق واعتبره فرصة لإنهاء النزاع القائم منذ سنوات.
في المقابل، لا تزال عوامل عدم الاستقرار قائمة بقوة. فإسرائيل تواصل التأكيد أنها تحتفظ بحق التحرك العسكري ضد أي تهديد تعتبره مباشراً، بينما ترفض أطراف لبنانية أساسية بعض البنود المرتبطة بالترتيبات الأمنية الجديدة، خصوصاً ما يتعلق بحصرية السلاح جنوب الليطاني وآليات الرقابة والتنفيذ. كما أن الاتفاق نفسه ربط استمرار وقف النار بإجراءات ميدانية وأمنية معقدة تحتاج إلى وقت وإلى توافقات داخلية وإقليمية غير متوافرة بالكامل حتى الآن.
وتزداد الشكوك حول قدرة الهدنة على الصمود مع استمرار الحديث عن خروقات متبادلة واتهامات متكررة بين الجانبين. فخلال الأسابيع الأخيرة صدرت تحذيرات إسرائيلية وإعلانات إخلاء لقرى ومناطق في الجنوب بذريعة وجود بنى عسكرية أو خرق التفاهمات، ما يعكس استمرار حالة التوتر رغم وقف العمليات العسكرية الواسعة.
أما على المستوى اللبناني الداخلي، فإن الدولة اللبنانية تجد نفسها أمام اختبار حقيقي يتمثل في تعزيز انتشار الجيش وترسيخ سلطة المؤسسات الرسمية في المنطقة الحدودية. فنجاح هذه المهمة سيمنح الاتفاق فرصاً إضافية للاستمرار، بينما سيؤدي أي تعثر أو فراغ أمني إلى زيادة احتمالات العودة إلى التصعيد. كما أن أي تطور إقليمي مرتبط بالعلاقة الأميركية – الإيرانية أو بالمفاوضات الجارية حول مستقبل المنطقة سينعكس مباشرة على الوضع في الجنوب اللبناني.
انطلاقاً من هذه المعطيات، يمكن القول إن وقف إطلاق النار يمتلك حالياً فرصاً أكبر للاستمرار من فرص انهياره، لكنه يبقى وقفاً هشاً أكثر منه تسوية نهائية. فالمجتمع الدولي يحتاج إلى نجاحه، ولبنان لا يحتمل حرباً جديدة، وإسرائيل منشغلة بترتيبات أمنية وسياسية أوسع. إلا أن استمرار الاحتلال لبعض النقاط الحدودية، وغياب الحلول النهائية للملفات العالقة، واستمرار منطق الردع المتبادل، كلها عوامل تجعل الجنوب يعيش في منطقة رمادية بين الهدوء المستقر والانفجار المحتمل.
لذلك، فإن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة. فإذا نجحت المفاوضات السياسية والأمنية الجارية في واشنطن وفي العواصم المعنية بتحويل الهدنة إلى ترتيبات دائمة، فإنّ الجنوب قد يدخل مرحلة استقرار نسبي غير مسبوقة منذ سنوات. أما إذا تعثرت هذه المسارات أو شهد الإقليم انتكاسة جديدة، فإن وقف إطلاق النار الحالي قد يتحول إلى مجرد محطة مؤقتة بين حربين.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



