الأربعاء 15 كانون الثاني 2020 - 0:14
كتب (هشام عليوان)
البلد ينهار، والليرة تغرق، والأموال كلها منهوبة، والفقراء يتكاثرون بسرعة مرعبة، فيما يتجادل السياسيون فيما بينهم في جنس الحكومة، هل تكون سياسية بكاملها، أم هجينة من سياسييين واختصاصيين، أم تكنوقراطية صرفة؟ وما هو دور الأحزاب؟ وما هي حصصهم؟ وغداً يتجادلون في بلاغة البيان الحكومي، وهل يتناسب أو لا يلائم المقام، والوقت يمرّ ويمرّ ثقيلاً متباطئاً، الساعة منه كقرن من الزمان. لم تعد الحكاية من هو مع الثورة ومن هو ضدها؟ أو من كان معها فانقلب عليها في ليلة مظلمة، أو من عاد تائباً حين أنشب الدولار أظافره؟ من هو مع عودة سعد الحريري ومن هو مع حسان دياب، أو مع أي شخصية أخرى؟ أصبحت القضية في مكان آخر تماماً، ولم يملّ اللاعبون بمصائر الوطن والمواطنين من ممارسة هواياتهم، و"روما" تحترق على أنغام كلماتهم الرتيبة كإيقاع لحن الموتى. نحن على أعتاب مرحلة جديدة من ثورة يتحوّل لونها تدريجياً من البياض إلى الحمرة القانية، إن لم تتشكّل حكومة وتجلس في السراي لممارسة دورها في إدارة الأزمة.
لقد كان أمس الثلاثاء، يوماً مشهوداً من أيام الثورة الشعبية، كما لم تكن منذ أسابيع، حيث استعادت زخمها وتوهجها، وتمكن الثوار بسلاسة مريبة وعجيبة، من قطع الطرق في طول البلاد وعرضها، من دون أي مقاومة أو اعتراض، في لحظة اختلط الحابل فيها بالنابل، عقب لحظات إقليمية حرجة، رأى فيها بعض قادة الأكثرية النيابية، أن الوقت قد حان، للعودة إلى المشهد، وطرد من يعتبرونه من خارج النادي، بعدما انتهت صلاحيته، أو لما ساد الرأي بانتهاء الثورة واضمحلالها، فتعجلوا إعلان وفاتها، ولم يعد ينقص سوى تعيين موعد الدفن والعزاء، كي يلتئم شمل الأحبة مجدداً.
الغضب الساطع آتٍ لا مفرّ من ذلك، وليس هذا بسرّ من الأسرار. وقد نبّه كل من له رأي حصيف، إلى خطورة الوضع حين تحلّ الكارثة فعلاً بكامل أوصافها وأبعادها. حتى إن الثوار أنفسهم، وقد عانوا من أنواع الضغط والقهر في الساحات والطرقات، راهنوا على موجة جديدة أشد وأنكى، حين ينضم إليهم جمهور المتفرجين، بل من كانوا يهاجمونهم بالأمس بكل الوسائل المتاحة، في الوقت الذي يتساوى فيه كل اللبنانيين دون استثناء بالبلوى المستطيرة التي لن توفر أي حامل لليرة اللبنانية، فلا يتمكن رب أسرة من الإنفاق على أسرته بالحدّ الأدنى، وتعجز المؤسسات الخاصة بكافة أشكالها واختصاصاتها، من مدارس وشركات ومصارف، فترفع الراية البيضاء. حتى الدولة ومؤسساتها وأجهزتها لن تكون بمنأى عن لهيب الدولار وهو يحرق الرواتب بعدما أفنى الإيداعات.
ما شهده ليل بيروت، ولا سيما شارع الحمرا، من غضب أعمى ضد كل ما ترمز إليه المصارف، ومن ضمنها الصيرفة، وسعر صرف الدولار، هو عيّنة بسيطة عما ينتظر لبنان في الأيام المقبلة، ولن يكون هذا بعيداً كما يبدو، إن استمر التعطيل والتذاكي وإنكار الواقع. سيكون الانهيار الشامل لهياكل الدولة وانتظام المجتمع، وسنعود إلى حكم الغابة، حيث القوي يأكل الضعيف. وعندئذ تكون العودة إلى الاستقرار أصعب وأمرّ، وكلفتها أعلى وأفدح.
لقد اختارت الأكثرية النيابية الدكتور حسان دياب لتشكيل الحكومة الجديدة، بعدما يئست من الرئيس سعد الحريري، فلا استطاعت التفاهم معه، ولا على من يرشحه أو على من لا يمانع بمجيئه خلفاً له. وضاع الوقت في محاولة التشكيل، سواء أكانت التشكيلة ترضي الشارع كله أو بعضه، تناسب الأحزاب أم لا. ثم فوجئ الناس، لا سيما الثوار، أن الساعة تعود إلى الوراء في لبنان، بخلاف النظام الزمني الطبيعي في كل دول العالم. فماذا كانوا يتوقعون؟ وهل كانوا يريدون استعادة الحكومة القديمة مع ملء بعض المقاعد الفارغة فقط؟ وهل كان بمقدورهم انتشال البلاد من الكارثة بالمنهج نفسه من التعطيل والمماطلة والهدر والمحاصصة؟ أليس هذا أوضح دليل على أن لبنان كان بحاجة ليس إلى ثورة واحدة من هذا النوع، بل إلى ما هو أكثر من ذلك، وأبكر من ذلك بكثير؟
: خاص (أيوب)
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



