خاص أيوب


بيروت على عجلتَيْن... والفوضى بلا فرامل

الجمعه 17 تموز 2026 - 0:15

كتب (المحامي ميشال فلاّح)

ثمة مفارقة لافتة في المشهد اللبناني. فما كان يُنظر إليه قبل سنوات قليلة على أنه وسيلة نقل ثانوية، أصبح اليوم جزءاً أساسياً من الحياة اليومية. آلاف الدراجات النارية تجوب شوارع بيروت والمدن اللبنانية منذ ساعات الصباح الأولى وحتى ما بعد منتصف الليل، حاملةً موظفاً يسابق موعد عمله، أو طالباً جامعياً، أو عاملاً يسعى إلى تأمين قوت يومه، أو سائق توصيل يعتمد على كل طلب جديد ليحافظ على دخل بالكاد يكفي أسرته.

لا يمكن النظر إلى هذا التحول بمعزل عن الانهيار الاقتصادي الذي أصاب لبنان منذ عام 2019. فحين ترتفع تكلفة امتلاك السيارة إلى مستويات تفوق قدرة معظم المواطنين، وحين يصبح الوقود والصيانة وقطع الغيار عبئاً لا يُحتمل، تصبح الدراجة النارية، ومن بعدها الدراجة الكهربائية، خياراً عقلانياً، بل ضرورة معيشية. ولذلك فإن أي مقاربة مسؤولة لهذه الظاهرة ينبغي أن تنطلق من الاعتراف بأنها ليست ترفاً، ولا نزوة اجتماعية، بل استجابة طبيعية لأزمة اقتصادية غير مسبوقة.

غير أن الاعتراف بحق الناس في البحث عن وسائل أقل تكلفة للتنقل والعمل، لا يعني القبول بأن تتحول المدينة إلى فضاء بلا قواعد.

فبيروت، في السنوات الأخيرة، لم تشهد فقط ارتفاعاً في عدد الدراجات النارية، بل شهدت أيضاً تراجعاً مقلقاً في سلطة القانون داخل المجال العام. يكفي الوقوف عند أحد التقاطعات الرئيسية لبضع دقائق لمشاهدة دراجات تسير بعكس اتجاه السير، أو تعبر الإشارات الحمراء، أو تتسلل بين السيارات بسرعة كبيرة، أو تستخدم الأرصفة المخصصة للمشاة، أو يقودها أشخاص من دون خوذة أو من دون رخصة قيادة، وكأن قواعد السير أصبحت اختيارية لا إلزامية.

وإذا كانت المخالفات المرورية موجودة في كل دول العالم، فإن الفرق الجوهري يكمن في أن الدولة هناك تعتبرها استثناءً يجب ضبطه، بينما يخشى اللبناني اليوم أن تصبح المخالفة هي القاعدة، والالتزام هو الاستثناء.

إن جوهر المشكلة لا يكمن في الدراجة النارية، وإنما في غياب الدولة التنظيمية.

فالمدينة الحديثة ليست مجرد شبكة طرق، بل هي فضاء قانوني تتعايش فيه حقوق متعددة: حق الإنسان في العمل، وحقه في التنقل، وحقه في الأمن، وحقه في بيئة سليمة، وحق المشاة في استخدام الأرصفة بأمان. وحين تعجز السلطة العامة عن تحقيق التوازن بين هذه الحقوق، يتحول الشارع إلى مساحة تنازع بين المصالح الفردية، حيث يفرض الأقوى أو الأسرع قواعده الخاصة.

وقد كرّست الأدبيات القانونية والحضرية الحديثة هذا المفهوم تحت عنوان "الحق في المدينة" (Right to the City) الذي صاغه الفيلسوف الفرنسي هنري لوفيفر، ثم طورته لاحقاً منظمات دولية عدة، وفي مقدمها برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat). ولم يعد هذا المفهوم يقتصر على الحق في السكن أو الخدمات، بل أصبح يشمل حق الإنسان في مدينة آمنة، منظمة، وصحية، تضمن التوازن بين حرية التنقل وسلامة المجتمع.

ومن هذا المنطلق، لا يجوز النظر إلى فوضى الدراجات النارية باعتبارها مجرد مخالفات سير، بل باعتبارها مساساً بأحد الحقوق الأساسية للمواطن، وهو حقه في المجال العام الآمن.

وتزداد خطورة الظاهرة مع الانتشار الكبير لخدمات التوصيل. فهذه الخدمات، التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد الرقمي، تعتمد على عامل السرعة بوصفه معياراً للمنافسة. وكل دقيقة قد تعني خسارة طلب جديد أو تقييم أقل أو دخلاً أدنى. وهكذا يجد كثير من السائقين أنفسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تحت ضغط دائم يدفعهم إلى تجاوز قواعد السير.

وهنا تبرز مسؤولية غالباً ما تغيب عن النقاش العام، وهي مسؤولية شركات التوصيل نفسها. ففي عدد من الدول الأوروبية لم يعد يُنظر إلى السلامة المرورية على أنها مسؤولية السائق وحده، بل أصبحت جزءاً من مسؤولية الشركة المشغلة. فإذا كانت سياسات العمل أو أنظمة التقييم تحفز السرعة على حساب السلامة، فإن الشركة تتحمل قسطاً من المسؤولية الأخلاقية، بل والقانونية في بعض الأنظمة.

وقد أدركت مدن أوروبية عدة، مثل باريس وبرشلونة وروما، أن انتشار الدراجات النارية لا يمكن مواجهته بالمنع، بل بالتنظيم. فشددت شروط الترخيص، وفرضت معايير تقنية صارمة للانبعاثات والضجيج، وألزمت سائقي التوصيل باحترام قواعد السلامة، ووسعت استخدام المراقبة الإلكترونية، ودمجت الدراجات ضمن سياسات التنقل الحضري المستدام. والهدف لم يكن التضييق على مستخدمي الدراجات، بل حماية الجميع: السائق، والمشاة، وسائر مستخدمي الطريق.

أما في لبنان، فلا تزال المقاربة تميل إلى الحملات الأمنية الموسمية التي تحقق أثراً إعلامياً أكثر مما تحقق تغييراً مستداماً. وما يحتاجه البلد هو سياسة عامة متكاملة، تبدأ بإعادة بناء قاعدة بيانات دقيقة لجميع الدراجات، وإلزامها بالتسجيل والتأمين والفحص الفني، وتشديد شروط منح رخص القيادة، وربط تراخيص شركات التوصيل باحترامها لمعايير السلامة، واستخدام وسائل المراقبة الإلكترونية لضبط المخالفات، مع تشجيع التحول التدريجي نحو الدراجات الكهربائية المطابقة للمواصفات البيئية.

لكن الإصلاح الحقيقي يبدأ من مكان آخر، أكثر عمقاً.

إن القضية في جوهرها ليست قضية دراجات نارية، بل قضية هيبة القانون. فلا يمكن أن تستعيد الدولة ثقة مواطنيها إذا بقي القانون يطبق على بعضهم ويغيب عن آخرين. ولا يمكن الحديث عن تنمية حضرية أو جذب للاستثمار أو تحسين نوعية الحياة، فيما يشعر المواطن بأن عبور الطريق أصبح مغامرة يومية.

إن المدينة ليست مجرد إسفلت وإشارات مرور، بل عقد اجتماعي غير مكتوب، يلتزم فيه الجميع بقواعد مشتركة تضمن سلامة الجميع. وكل إخلال بهذا العقد هو انتقاص من فكرة الدولة نفسها.

لقد فرضت الأزمة الاقتصادية على اللبنانيين وسائل جديدة للبقاء، ولم يكن من الممكن مطالبة الناس بالتخلي عن الدراجة النارية من دون توفير بديل واقعي. لكن من واجب الدولة، في المقابل، أن تحول هذه الوسيلة من رمز للفوضى إلى جزء من منظومة نقل حديثة تحترم القانون والإنسان والبيئة.

فحق المواطن في العمل لا يتناقض مع حقه في الأمن، وحق سائق الدراجة في كسب رزقه لا يعلو على حق الطفل في عبور الطريق آمناً، ولا على حق المسن في السير على الرصيف، ولا على حق سكان المدينة في هواء أقل تلوثاً وضجيجاً.

وفي نهاية المطاف، فإن معيار تحضر المدن لا يقاس بعدد الجسور والأنفاق، ولا بسرعة خدمات التوصيل، بل بقدرتها على التوفيق بين الحرية والنظام، وبين الاقتصاد وسيادة القانون. وعندما تنجح بيروت في إعادة هذا التوازن، لن تكون قد حلت أزمة الدراجات النارية فحسب، بل ستكون قد استعادت شيئاً من معنى الدولة التي يفتقدها اللبنانيون منذ سنوات.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة