خاص أيوب


ابن العم.. عميد آل عليوان

الأحد 10 أيار 2026 - 0:14

كتب (هشام عليوان)

ظلّ والدي محمود رحمه الله مواظباً على تمارين رفع الأثقال طوال حياته، إلى أن أصابه المرض في سنواته الثلاث الأخيرة، كما لم يكن يتوقف عن السباحة وصيد السمك حتى في زمهرير الشتاء شرط أن تكون الشمس طالعة. ولم يكن لسانه يفتر عن ذكر ابن عمه مليح وقصصه وبطولاته في شبابه؛ فهو لم يكن فقط ابن عمه وصديقه، بل كان مليح الأكبر منه سناً بثلاث سنوات، بمنزلة الشقيق الأكبر له ولعمي عبد الرحمن، والاثنان كانا من الرواد الأوائل لنادي المليح الرياضي والذي أضحى لاحقاً نادي الصحة والقوة الذي أسسه مليح، وهو في سن الخامسة عشرة عام 1945.

جلّ ما أعرفه عن عملاق آل عليوان، وناشر صيتهم في الآفاق، هو ما سمعته خاصة من فم والدي. تيتّم والدي وهو في سنّ الخامسة، ومن المؤكد أن ابن عمه هو من علّمه السباحة أو شجعه عليها، كما فعل مع كثير من أقربائه وأصدقائه والشباب المرتادين لناديه في محلة الزيدانية. أما عمي الأكبر محمد، فكان في الخامسة عشرة من عمره، عندما توفي جدي عثمان، فلم يكن رياضياً، ولا يعرف السباحة، حتى إنه كاد يغرق على شاطئ الرملة البيضاء، لولا إنقاذ والدي له، وقد أخبرني بالطريقة الاحترافية التي استعملها لإنقاذ شقيقه محمد، دون أن يتسبب بغرقه معه. وعليه، لم يكن مليح ابن عمهما، ولا صديقهما الحميم وحسب، بل كان مربّيهما أيضاً، وهما يفتقدان إلى حنان الأب الذي رحل باكراً.

لا أدري إن كنتُ قد ورثتُ وشقيقي همام "جينات" رياضية من والدي المعروف لدى أهل حيّ المصيطبة، بعضلاته المفتولة وقصبة الصيد وهو يضعها على عاتقه، وهو يمرّ أمامهم صبيحة كل يوم مشمس تقريباً، إلا أننا كنا نتدرّب أحياناً وفي أوقات متفرقة جداً، بالأثقال التي يستعملها والدي بانتظام. لكن ما فوجئت به قبل عقدين تقريباً، في أحد الطرق الالتفافية حول ساحة الشهداء، لأسباب أمنية، في إحدى المناسبات الوطنية، عندما حملق بي رجل سبعيني من آل الحداد من سكان الأشرفية. سألني مباشرة: هل أنت رياضي ترفع الأثقال؟ فوجئت بالسؤال في هذا الموقف. قلت له على سبيل المجاملة: أقوم بالتريّض مرة بعد أخرى. سألني عن عائلتي، أجبته أني من بيت عليوان. بادرني بالقول هل أنت قريب مليح عليوان؟ قلت له بافتخار نعم إنه ابن عم والدي. عندئذ قال لي: من أجل ذلك تتمتع ببنية أبطال. اهتم بنفسك، ولا تقلْ إني أتطفّل عليك وأنا ابن الأشرفية، فأنا أتدرب أيضاً، وأعرف من هو مؤهل لهذه الرياضة. وشدّ على يدي وهو يصافحني، للدلالة على قوة عضلاته. لم أتعجب من معرفته بمليح ابن عمنا، وهو الذي رفع صيت آل عليوان، ولا أبالغ إن قلتُ إني ما ذكرت لقب عائلتي أمام أحد، لا سيما في العقود السابقة، إلا وسألني هل أنت من أقرباء مليح؟ العائلة جزء من عائلة المناصفي كما يقول المتابعون للأنساب، وعددنا ليس كبيراً بالمقارنة مع عائلات بيروتية أخرى. لكن اسم مليح عليوان بات اسم عَلَم على العائلة مع أن فيها المحامي، والطبيب، والجرّاح، والأستاذ، والمهندس، والمخرج السينمائي والصحافي...تُعرف العائلة به، وهو يعرّفها للناس، شاغل الدنيا في مجال الرياضة العامة، والتربية البدنية، وكمال الأجسام، والصحافة الرياضية (من لا يعرف مجلة نجوم الرياضة؟)، واللجان والبعثات الأولمبية والاتحادات الرياضية.

عندما توفي والدي عام 2012، عزّاني به مليح، وأخذ رقم هاتفي، وراح يتصل بي في الأعياد، مطمئناً عليّ وعلى بقية الأسرة، مع أني لم أعرفه من قبل ذلك، لكنه كان يتذكّر ابن عمه فيّ، ويُظهر اهتمامه بي، كأني ابن أخيه، لا ابن ابن عمه، الرياضي العتيق. كان حنوناً والحنان من صفات المربّي. يذكّرني بعمي أحمد رحمه الله الذي توفي عام 2023، وعاش قريباً من مدة حياة مليح، 96 سنة أو أقل. كنتُ مقرّباً من عمي أحمد في سنواته الأخيرة، حريصاً على الاتصال بي وأفراد العائلة والاطمئنان عليهم، لا سيما بعد وفاة والدي، كأنه كان يقوم مقام كبير العائلة. وفي إحدى المرات وقد خفّ بصره، سرد أمامي في منزله بمحلة الصنائع أرقام هواتف عدد من أفراد العائلة، المقيمين منهم والمسافرين، مع اختلاف الكود لكل بلد على حدة، في إشارة إلى ذاكرته الحادة، وهو الذي كان المتفوق في الدراسة، ونال الشهادة في الطب البيطري من مصر، وعمل مراقباً في المسلخ، وأستاذاً في علم الأحياء في المدارس. 

ستفتقد بيروت مليح عليوان، قامة رياضية واجتماعية كبيرة من رجالاتها، وقبضاياتها. لكن عائلة عليوان ستظلّ تُعرف بمليح، حتى انتهاء آخر جيل عايشه وعاصره أو سمع به.



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة