الثلاثاء 14 تموز 2026 - 0:00
خاص (أيوب)
إيران ومنذ اغتيال مرشدها السابق علي خامنئي في 28 شباط الماضي، هي غير إيران التي حرصت على بثّ صورة العقلانية والحسابات الدقيقة لتصرفاتها سواء تجاه دول المنطقة وبإزاء المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة، مع شدة العداء لواشنطن، بوصفها "الشيطان الأكبر". فمنذ انتهاء الحرب مع العراق عام 1988، انتهج قادة إيران سياسة حافة الهاوية. وبلغت البراغماتية الإيرانية الذروة، في موقفين: الأول، بين عامي 1990 و1991 عندما وقفت على الحياد أثناء حرب تحرير الكويت، وإن كانت حاولت من دون جدوى الإفادة من دمار الجيش العراقي خلال انسحابه الفوضوي من الكويت، من خلال المعارضة العراقية التي تسللت من إيران بهدف إسقاط صدام حسين. والثاني، عندما تعاونت مع التحالف الدولي بقيادة واشنطن لإسقاط نظام طالبان في أفغانستان عام 2001، وإسقاط نظام صدام حسين عام 2003، مع أن الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، اعتبر إيران ضمن محور الشر في العالم إلى جانب العراق وكوريا الشمالية. وفي العراق ما بعد صدام، وضعت خطة لاستنزاف القوات الأميركية في العراق بالتنسيق مع النظام السوري السابق. قاتلت بأيدي المقاومة السنية في مثلث الموت في المحافظات العربية السنية، وفي الوقت نفسه، كان أنصارها في مجلس الحكم، ثم في الحكومات اللاحقة، يتعاونون مع الأميركيين لاعتقال المقاومين وقتلهم. بهذه السياسات الماهرة والبعيدة عن أي دين أو أخلاق، تمكنت إيران من بسط نفوذها في العراق ثم في سوريا واليمن، وتحت عنوان: نصرة الشعب الفلسطيني، وتحرير القدس. فما الذي أصاب رجال الحكم في طهران، وتحديداً منذ سقوط عميلها في دمشق، وهو ما فتح الطريق لاستهداف طهران نفسها بعيداً عن أذرعها في المنطقة؟
لقد تلقّت إيران ضربتين متلاحقتين، الأولى في حزيران 2025، والثانية في 28 شباط الماضي، وفقدت رأس الهرم إضافة إلى عشرات القيادات من الصفوف الأولى في الجيش والحرس الثوري والأمن والاستخبارات. وتعرّضت منشآتها النووية والعسكرية لأضرار فادحة. وبدلاً من التراجع خطوة إلى الوراء والبناء على اكتشافها الأهمية الجيوسياسية لمضيق هرمز، لفكّ الحصار البحري المحكم حول موانئها وفي الممرات المحيطة بها، وتحرير المليارات من أموالها المجمّدة مقابل تسليم اليورانيوم المخصب إلى درجة غير مقبولة؛ إذا بها تتحول إلى دولة قراصنة، تهدد الملاحة العالمية، واستقرار أسواق النفط، من خلال إطلاق النار على السفن المارة بمضيق هرمز. وبهذه الطريقة، تعلن إيران رفضها الالتزام بالاتفاق النووي لعام 2015، وتفلت من يدها الفرصة التي أتاحها ترامب لها من خلال النصوص الغامضة الواردة لمذكرة التفاهم والتي تتيح لإيران مكاسب غير متوقعة، ولا سيما تأكيد النفوذ الإيراني في المنطقة من خلال وقف الحرب في كل الجبهات، وليس في إيران وحسب. لقد مرّ شهر تقريباً على توقيع المذكرة ولم تجرِ أي مفاوضات بعد، مع أن المذكرة تنص على مهلة 60 يوماً، أي هي هدنة مؤقتة، وليست اتفاق سلام، فيما يريد الحكام الإيرانيون الجدد، الاكتفاء بالمذكرة، وعدم التنازل عن أي شيء. بل إن قمة الخَرَف هو أن يدعو بيان منسوب إلى المرشد الجديد خامنئي الابن للانتقام من قتلة أبيه، وعلى رأسهم ترامب طبعاً، متوعداً بأن بعض أحرار العالم سيقومون بالمهمة، وذلك بعد أيام من انكشاف تفاصيل عن إحباط خطة لاغتيال ترامب ومساعديه في الذكرى الثمانين لولادته، وعلى يد أفراد في الولايات المتحدة نفسها، ينتمون إلى تيارات يمينية متطرفة. ويقال إن الموساد الإسرائيلي زوّد الأجهزة الأمنية الأميركية بمعلومات عن المجموعة المتآمرة. والهدف الإسرائيلي معروف، وهو تأجيج الحرب مرة أخرى. فما هو الهدف الإيراني من التبني المجاني لمحاولات الثأر المزعومة؟
ما نشهده اليوم سواء في إيران أو لبنان، هو غياب السياسة بمعنى السعي لدرء الأخطار وتحصيل المنافع للناس كلهم بطبيعة الحال. كانت أيام سالفة عندما كان قادة المحور سواء في إيران أو لبنان، يحسبون الحساب لكل شيء بدقة الجوهرجي. اليوم لا تحسب طهران أي حساب حتى لدول الخليج، لا سيما القريبة منها نسبياً، مثل عُمان، وقطر. وبطبيعة الحال، لن تتورع عن استهداف المملكة العربية السعودية التي رفضت الانجرار إلى حرب مع إيران على الرغم من الاعتداءات غير المبررة سواء من طهران أو من حلفائها في المنطقة.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



