السبت 19 أيلول 2026 - 0:01
كتب (أيوب)
مخطئ من يظنّ أنه بقادر على أن يعتدي على مكة وأهلها. هو ليس بقارئ للتاريخ، ولا بمتصفّح لأوراقه، هو أميّ في الفهم والتبصّر والسياسة.
أن يجهل الإنسان الجغرافيا فهو أمر طبيعي، لأن معرفتها تستوجب السفر والمال والسكن ومعاشرة المجتمعات والناس. أمّا أن يجهل الإنسان التاريخ فوق جهله للجغرافيا، فتلك مصيبة ما بعدها مصيبة.
الاعتداء على البيت العتيق هو كالاعتداء على مفهوم الأمان عند البشرية، وكأنّ المعتدي لم يقرأ قول النبي محمد (ص) عندما دخل مكة فاتحاً في العشرين من رمضان العام الثامن للهجرة، وهو من نسيجها وأهلها، صارخًا بالناس الخائفين والمرتعبين، قائلًا: من دخل الكعبة فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
المعتدي لم يقرأ أيضًا ما حصل بملك الحبشة أبرهة وأفياله المدجّجة بالمقاتلين والسلاح. وما قال الله في محكم آياته: «ألم ترَ»، وعندما يقال في القرآن «ألم ترَ»، فالمقصود بها القول: ألم تعلم أو ألم تدرك؟ والرؤية هنا إشارة إلى العلم اليقيني والإدراك المعنوي، وليست الرؤية بالعين المجرّدة فقط. وعندما تتردّد في القرآن، تأتي بمعنى التنبيه إلى أمر عظيم، كأنه يُرى رؤية العين بظهور دلائله وبلوغه حدّ اليقين.
أيها المعتدي على مكة وبيتها، أيها المعتدي على قبلتنا وقدسيّتها، أيها المتطاول على مربض خيلنا وحجّنا وعمرتنا. ألم ترَ كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟ ألم تسمع ماذا فعلت بهم طيور أبابيل؟ ألم يخبرك الناس ومشايخ الكتاتيب في الزوايا والمساجد والمدارس والمعاهد وبيوت الطين عن حجارة سجيل، ألم تعلم إنّ للكعبة ربًّا يحميها من كل معتدٍ أثيم
مكة تدخل دائرة النار
من هنا تحديدًا يمكن قراءة خطورة التطور الأخير. ففي 15 أيلول 2026، أعلنت المملكة العربية السعودية اعتراض وتدمير طائرة مسيّرة جنوب مكة.
الواقعة، أعادت اسم مكة إلى قلب مواجهة عسكرية، وهو أمر يختلف جذريًا في دلالاته عن استهداف منشأة عسكرية أو اقتصادية.
فالخطأ التاريخي في أي محاولة لإدخال مكة في بنك أهداف الحرب لا يُقاس بمدى نجاح الهجوم أو فشله، ولا بما إذا كانت المسيّرة قد أُسقطت قبل وصولها، بل بطبيعة المكان الذي جرى تعريضه للخطر. مكة ليست مدينة سعودية فحسب، بل قبلة المسلمين، وفيها المسجد الحرام والكعبة المشرفة، وإليها تتجه وجوه المسلمين في صلاتهم، ويقصدها الملايين للحج والعمرة.
ليست المرة الأولى... من 2016 إلى 2026
ليست هذه المرة الأولى التي يستهدف الحوثيون مكة بالمسيّرات والصواريخ.
في 27 تشرين الأول 2016، أعلنت قيادة التحالف اعتراض صاروخ باليستي أُطلق من محافظة صعدة، وقالت إن مساره كان باتجاه منطقة مكة المكرمة، وإن الدفاعات الجوية دمّرته على مسافة نحو 65 كيلومترًا من المدينة من دون وقوع أضرار.
في 27 تموز 2017، عادت السعودية لتعلن اعتراض صاروخ باليستي أُطلق في اتجاه مكة. وهذه الواقعة تحديدًا هي التي استعادها المتحدث باسم التحالف تركي المالكي بعد حادثة أيلول 2026، إذ وصف اعتراض المسيّرة الأخيرة بأنه ثاني محاولة حوثية لاستهداف مكة منذ واقعة 2017.
هكذا، فإن الاتهام الحالي لا يأتي من فراغ بالنسبة إلى السعودية، بل يعيد إلى الواجهة سجلًا من الحوادث التي اتهمت فيها الرياض الحوثيين بإطلاق صواريخ أو مسيّرات في اتجاه المنطقة المقدسة.
هنا تصبح استعادة قصة أبرهة وأصحاب الفيل أكثر من مجرد استعارة أدبية. فالقصة راسخة في الوجدان الإسلامي باعتبارها واحدة من أبرز الصور المرتبطة بمحاولة الاعتداء على البيت الحرام. ولذلك فإن أي تهديد لمكة في العصر الحديث يستحضر تلقائيًا ذلك التاريخ في الذاكرة الشعبية والدينية، وإن اختلفت الظروف والأطراف والأزمنة.
هذا تحديدًا هو الخطأ التاريخي الذي قد يكون الحوثيون، قد وقعوا فيه: تحويل مواجهة سياسية وعسكرية مع الرياض إلى قضية تمسّ المشاعر الدينية للمسلمين في أنحاء العالم.
الصراع مع دولة شيء، وإقحام قبلة المسلمين في دائرة النار شيء آخر تمامًا. والحروب يمكن أن تجد لها ذرائع سياسية وعسكرية، لكن تعريض مكان يحمل هذه القداسة للخطر يفتح حسابًا مختلفًا تمامًا في الوجدان الإسلامي.
الحروب تنتهي، والتحالفات تتبدّل، والخصوم قد يجلسون يومًا إلى طاولة واحدة، لكن الذاكرة الدينية للشعوب أطول عمرًا من المعارك.
وهنا يعود التاريخ مرة أخرى ليطرح سؤاله: "ألم ترَ كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟".
إنها مكة يا أبرهة العصر الجديد، وليست مجرد نقطة على خريطة الحرب. إنها القبلة والبيت العتيق ومهوى أفئدة المسلمين. وإنّ للكعبة ربًّا يحميها من كل معتدٍ أثيم.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



