الجمعه 14 آب 2026 - 0:00
خاص (أيوب)
لم يعد الخلاف بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسّى مجرد سجال عابر وقع على هامش جلسة تشريعية، بل تحوّل خلال أيام قليلة إلى أزمة سياسية داخل الحكومة، خصوصاً بعدما قاطع منسّى جلسة مجلس الوزراء، في خطوة أظهرت أن محاولات احتواء تداعيات الإشكال لم تنجح حتى الآن.
من أين بدأ الإشكال؟
شرارة الخلاف انطلقت خلال الجلسة التشريعية لمجلس النواب، وتحديداً عند مناقشة اقتراح قانون العفو العام. كان وزير الدفاع يريد إلقاء كلمة تتصل بموقف المؤسسة العسكرية من الملف، إلا أن رئيس الحكومة تمسّك بأن الكلام باسم الحكومة يعود إليه بصفته رئيساً لها.
سلام شرح لاحقاً روايته لما جرى، فقال إن منسّى كان قد أعد كلمة بشأن اقتراح قانون العفو، وإنه أبلغه بأنه سيتحدث باسم الحكومة عند طرح البند، وبالتالي لا يكون من داعٍ لأي كلام آخر، مستنداً إلى المادة 64 من الدستور التي تنص على أن رئيس مجلس الوزراء يمثل الحكومة ويتكلم باسمها. كما نفى سلام أن يكون قد منع وزير الدفاع من دخول قاعة مجلس النواب.
لكن المسألة لم تُقرأ من زاوية دستورية فقط. فبالنسبة إلى منسّى، حملت القضية بُعداً يتصل بموقع وزير الدفاع وحقه في التعبير عن موقف وزارته والمؤسسة العسكرية في ملف يعني العسكريين بصورة مباشرة. وهنا انتقل الخلاف من نقاش حول "من يتكلم؟" إلى أزمة مرتبطة بالصلاحيات وبطريقة إدارة العلاقة بين رئيس الحكومة وأحد أبرز وزرائها.
التطور الأبرز تمثل في غياب منسّى عن جلسة مجلس الوزراء في السرايا الحكومية. مقاطعة وزير الدفاع للجلسة، على خلفية الأزمة المستمرة مع سلام، رفعت مستوى الخلاف ونقلته عملياً من مجلس النواب إلى داخل الحكومة نفسها.
فالخلاف الذي يبدأ في مجلس النواب يمكن احتواؤه باعتباره سجالاً سياسياً أو دستورياً، لكن انتقال تداعياته إلى طاولة مجلس الوزراء يطرح مشكلة مختلفة، لأن استمرار مقاطعة وزير أساسي للجلسات بسبب خلاف مع رئيس الحكومة قد يؤثر في التضامن الوزاري وفي انتظام عمل الحكومة.
كما أن وزارة الدفاع ليست حقيبة عادية في المرحلة الحالية، في ظل الملفات الأمنية والعسكرية الدقيقة التي يواجهها لبنان، ما يجعل استمرار التوتر بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع مسألة تتجاوز العلاقة الشخصية بين الرجلين.
هل المشكلة شخصية أم دستورية؟
حتى الآن، يبدو أن لكل طرف مقاربته لما جرى.
سلام يضع القضية في إطار واضح: الحكومة تتكلم بصوت واحد، ورئيس مجلس الوزراء هو من يمثلها ويتحدث باسمها، ولا سيما عندما يكون النقاش متعلقاً بموقف الحكومة أمام مجلس النواب.
في المقابل، تحوّلت المسألة سياسياً إلى سؤال حول حدود هذه الصلاحية: هل تعني أن الوزير لا يستطيع شرح موقف وزارته في ملف يقع ضمن اختصاصها؟ وهل كان بالإمكان معالجة المسألة بطريقة مختلفة من دون الوصول إلى مواجهة علنية ثم مقاطعة جلسة حكومية؟
هذه الأسئلة هي التي جعلت القضية أكبر من كلمة كان منسّى يريد إلقاءها.
إلى أين تتجه الأزمة؟
حتى الآن، لا تكفي المعطيات للجزم بأن منسّى يتجه إلى الاستقالة. لكن مقاطعته جلسة مجلس الوزراء رفعت سقف المواجهة وأعطت إشارة إلى أن المشكلة لم تُحل بصورة نهائية.
السيناريو الأقرب يبقى احتواء الخلاف عبر اتصالات سياسية تعيد تنظيم العلاقة بين الرجلين وتحفظ لكل منهما موقعه: رئيس الحكومة بوصفه المتحدث باسم الحكومة، ووزير الدفاع بوصفه المسؤول السياسي عن وزارة أساسية وحساسة.
أما استمرار المقاطعة في جلسات لاحقة، فسوف ينقل الأزمة إلى مستوى آخر، لأن السؤال عندها لن يعود متعلقاً بما حصل في مجلس النواب، بل بقدرة سلام ومنسّى على الاستمرار معاً داخل حكومة واحدة.
في المقابل، فإن عودة منسّى إلى جلسات الحكومة بعد تسوية سياسية أو توضيح متبادل قد تطوي الأزمة من دون أن تلغي آثارها، وخصوصاً أن ما جرى كشف حساسية العلاقة بين الصلاحيات الدستورية لرئيس الحكومة وبين هامش حركة الوزراء داخل الحكومة وخارجها.
ويبقى السؤال: هل تنجح الوساطات في إعادة سلام ومنسّى إلى طاولة واحدة وإنهاء الأزمة، أم أن ما حصل ليس سوى بداية لخلاف حكومي مرشح لمزيد من التصعيد؟
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



