قضايا وتقارير


محمد المشنوق وحكاية الثمانين عاماً

الأحد 6 أيلول 2026 - 0:02

 

في سنّه الثمانين، كتب الوزير السابق محمد المشنوق، المعروف بمهنيته الصحافية وقلمه المبدع على صفحته بتطبيق "فيسبوك"، نصاً يُعتبر من روائع النصوص الأدبية حول بلوغه سنّ الثمانين، وكيف يتعاطى ما بين الروح التي ما زالت شابة والجسد الذي يحمل "وثائق العمر"، كما قال.

ولجمالية النص، ينشر "أيوب" ما كتبه الوزير محمد المشنوق، الذي يُعتبر علماً بيروتياً في الصحافة والأدب والسياسة:"اجريت جميع الفحوص السنوية بتوجيه من اولادي لأنني تجاوزت الخمسين والستين والسبعين والثمانين… وما زال الخلاف قائمًا على "كيفك اليوم"!

اليوم ذهبت افكاري مع ما قرأت:

منذ أن تجاوزت الستين، اكتشفت أن هناك خلافًا داخل جسمي حول تحديد عمري الحقيقي… ويبدو أن القضية لن تُحسم قريبًا!

القلب والفؤاد مصرّان على أنني ما زلت شابًا، بل إنهما أحيانًا يتصرفان وكأنني ما زلت مراهقًا؛ أفرح باللقاء، وأتحمس للسفر، وأحب الضحك والسوالف، وتأتيني الأفكار والمشاريع وكأن العمر أمامي بلا حدود.

لكن المشكلة أن الركب والمفاصل تحتفظ بنسخة محدثة من تاريخ الميلاد!

كلما خطرت للقلب فكرة شبابية، تحمّس لها وبدأ يخطط لتنفيذها على أرض الواقع، وكأنه لم يسمع أصلًا بأننا جاوزنا السبعين!

لكن المفاصل والركب لها دائمًا رأيٌ آخر، فتبعث رسائلها بطريقتها الخاصة: صرصرة خفيفة، ووجع من هنا وهناك، ويأتي ضيق النفس أحيانًا مؤيدًا للقرار… وكأنها جميعًا تعقد اجتماعًا طارئًا لتقول للقلب:"الحماس ممتاز… بس خلنا نراجع الإمكانيات أول!".

أما السكري والضغط والكوليسترول، فانا اتخيلهم فيما بينهم لجنةً دائمة لمراقبتي، ويبدو أن اجتماعاتها مفتوحة على مدار الساعة!

آكل قطعة حلوى… فيعترض السكري.يا حلوتي

أزيد الملح قليلًا… يرفع الضغط يده.

أقترب من طبق دسم… يظهر الكوليسترول من آخر القاعة ليعلن أنه حاضر، وأن له رأيًا في الموضوع!

وهكذا أصبحت أعيش بين فريقين:

قلب ما زال يحسب العمر بالعشرين

وجسد يحتفظ بجميع الوثائق الرسمية التي تثبت عكس ذلك!

والأطرف أنك عندما تجتمع بأصحابك القدامى، يختفي رقم الستين والسبعين والثمانون فجأة.

تبدأ السوالف عن المدرسة والشباب والسفر والعمل، وتعود المواقف والذكريات، وتتعالى الضحكات، ويصبح الجميع في العشرين من جديد

إلى أن يحين وقت القيام من الكرسي!

هنا تنتهي رحلة العودة إلى الشباب، ويبدأ كل واحد منا عملية النهوض على مراحل… واحدة لفك الظهر، والثانية لإقناع الركب، والثالثة للتأكد أن جميع القطع تحركت معه!

ومع ذلك، أرى أن أجمل ما في هذه المرحلة أن يكبر العمر ولا تشيخ الروح.

فليس المطلوب أن ننكر أعمارنا أو نتحدى أجسادنا؛ لكل مرحلة جمالها، وللجسد حق علينا أن نعتني به ونستمع إليه. لكن ليس من العدل أيضًا أن نضيف إلى أعمارنا سنوات لم نعشها بعد!

نعتني بصحتنا، ونمشي قدر استطاعتنا، ونلتزم بما ينفعنا، ونخفف ما يضرنا… لكن لا نتقاعد من الفرح، ولا من الضحك، ولا من السفر، ولا من لقاء الأحباب، ولا من تعلّم شيء جديد.

فالتقاعد من العمل مفهوم

أما التقاعد من الحياة، فلم أجد له حتى الآن نظامًا يلزمنا به!

والسبعون وما بعدها ليست نهاية الطريق، بل مرحلة جديدة لها جمالها وحساباتها الخاصة؛ العقل أصبح أكثر خبرة، والقلب ما زال متحمسًا، والمفاصل فقط تطلب أن يتم إشعارها مسبقًا بأي مشروع جديد!

أما أنا، فسأترك القلب يعيش العمر الذي يحبه، وأعطي الركب والمفاصل حقها في الاعتراض، وأتعامل مع السكري والضغط والكوليسترول باعتبارهم ضمن المعقول فأصبح التعامل معهم بالحكمة أفضل من الدخول معهم في مشاجرات يومية!

وفي النهاية

السنوات تُحسب في الأوراق،

والشيب يظهر في الشعر،

والعمر يترك أثره على الجسد

أما شباب الروح، فلا يعرف تاريخ الميلاد".



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة