الثلاثاء 18 آب 2026 - 0:06
كتبت ( تالا غمراوي)
لم تمضِ ساعات على قرار منع حملات العمرة والحج برّاً حتى بدأت الاعتراضات، وارتفعت أصوات المعتمرين وأصحاب الحملات، قبل أن يطرأ تطور جديد قد يخفف من وطأة القرار: توجّه إلى تمديد الأذون للرحلات المحجوزة حتى منتصف أيلول، حرصاً على مصالح المعتمرين والشركات التي سبق أن رتبت حجوزاتها.
بين قرار المنع والتوجه إلى منح مهلة، لم ينتهِ الجدل، بل انتقل إلى أسئلة أبعد: لماذا كانت رحلات العمرة البرية تُسيّر أصلاً إذا كان منعها قائماً منذ سنوات؟ وهل يمكن لاحقاً تنظيمها بشروط أكثر صرامة بدلاً من إلغائها؟
مكاوي يوضح... وتمديد الأذون حتى منتصف أيلول
بعد الاعتراضات التي أثارها القرار، نقل النائب عماد الحوت توضيحات عن رئيس هيئة رعاية شؤون الحج والعمرة القاضي محمد مكاوي، تناولت خلفيات المنع ومصير الرحلات التي سبق حجزها.
وبحسب ما نقل الحوت عن مكاوي، فإن منع السفر برّاً ليس قراراً جديداً، بل يستند إلى قرار سابق صادر عن حكومة سابقة ولا يزال ساري المفعول.
كما نقل عنه أن هناك قراراً من المملكة العربية السعودية يقضي بحصر السفر برّاً بالدول التي لها حدود مع المملكة.
وأشار الحوت، إلى أن بعض الحملات اللبنانية كانت تنسّق مع حملات أردنية لتجاوز هذه القرارات، من دون توفير التأمينات المناسبة لسلامة المعتمرين، مستشهداً بحادث الحافلة الذي وقع قبل أكثر من شهر وأدى، وفق التوضيح المنقول، إلى حالات وفاة وبتر، فيما تنصلت الشركة اللبنانية من المسؤولية.
وأكد الحوت أن متابعة الملف ستستمر للوصول إلى تنظيم مناسب لرحلات العمرة برّاً، بشروط تكون مريحة وآمنة في الوقت نفسه.
اعتراض من داخل المجلس الشرعي
وسط هذا الجدل، برز موقف لافت لعضو المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى الشيخ أحمد الأمين، الذي استنكر القرار، قائلاً: "العمرة عبادة وطاعة وأمنية.. لا ينبغي أن تتحول إلى امتياز للقادرين مالياً ومصلحة لخطوط الطيران".
واعتبر الأمين أن العمرة وزيارة مسجد رسول الله ﷺ ليستا رحلة سياحية أو ترفيهية حتى تُحصر وسيلة الوصول إليهما بالخيار الأعلى كلفة، مشيراً إلى وجود كبار سن ومتقاعدين وأصحاب مداخيل متواضعة، قد يشكل فارق كلفة السفر بالنسبة إليهم الحد الفاصل بين القدرة على أداء العمرة والحرمان منها.
وأكد أن السلامة "مطلب لا خلاف عليه"، لكنه رأى أن تحقيقها يجب أن يكون عبر وضع ضوابط وشروط صارمة للنقل البري، واعتماد الشركات والحافلات المستوفية لمعايير السلامة، وتنظيم مساراتها ومراقبتها، وليس عبر إلغاء الخيار بالكامل.
من المستفيد؟
ذهب الأمين أبعد من الاعتراض على الكلفة، طارحاً تساؤلاً حول المستفيد من القرار. وقال إن حصر السفر بالنقل الجوي يطرح تساؤلاً مشروعاً حول المستفيد منه، إذ إن نتيجته العملية تصب في مصلحة شركات وخطوط الطيران، في مقابل تحميل المواطن اللبناني مزيداً من الأعباء.
وأكد أن المطالبة ليست بتفضيل النقل البري على الجوي، بل بحق المواطن في الاختيار بين وسيلتين آمنتين ومنظمتين، كل بحسب قدرته وظروفه.
ودعا هيئة رعاية شؤون الحج والعمرة إلى إعادة النظر في القرار وفتح باب النقل البري المنظم وفق شروط واضحة ومعايير سلامة مشددة.
أين دار الفتوى؟
مع اتساع دائرة الاعتراض، يعود السؤال: أين دار الفتوى من كل ما يجري؟
من الناحية الإدارية، هيئة رعاية شؤون الحج والعمرة ليست جهازاً تابعاً لدار الفتوى، بل هي هيئة مكلفة من رئاسة الحكومة بتنظيم وإدارة شؤون الحج والعمرة، وتعمل تحت إشراف الأمانة العامة لمجلس الوزراء.لكن ذلك لا يلغي دور دار الفتوى كمرجعية دينية، ولا وجود المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى ودوره في شؤون المسلمين.
والأكثر لفتاً أن القاضي محمد مكاوي، رئيس هيئة رعاية شؤون الحج والعمرة وصاحب القرار، يشغل أيضاً رئاسة اللجنة الإدارية والمالية في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى.
حتى الآن، لم يظهر موقف رسمي معلن من دار الفتوى يجيب عن كل التساؤلات.
هل المنع يطال الحملات فقط أم المعتمر الفردي أيضاً؟
تبرز ثغرة أخرى تحتاج إلى تفسير رسمي: هل المنع يطال حملات العمرة البرية المنظمة فقط، أم يشمل أيضاً المعتمر الذي يحمل تأشيرة سعودية سارية ويرغب في السفر برّاً بصورة فردية؟
فالقرار يتحدث عن "النقل البري لحملات الحج والعمرة"، كما يمنع الشركات والجهات من تنظيم هذه الحملات والإعلان عنها، لكنه لا يوضح بصورة صريحة وضع المسافر الفردي الذي لا ينتمي إلى حملة منظمة.
هنا يصبح امتلاك التأشيرة وحده غير كافٍ لحسم المسألة، إذ يرتبط إمكان السفر برّاً أيضاً بنوع التأشيرة السعودية وشروط الدخول عبر المنافذ البرية، فضلاً عن الإجراءات اللبنانية المتعلقة بالمغادرة.
هذا الغموض يفتح سؤالاً أمام هيئة رعاية شؤون الحج والعمرة والأمن العام: هل يستطيع اللبناني الذي يحمل تأشيرة تسمح له بدخول المملكة برّاً أن يسافر بصورة فردية لأداء العمرة، أم أن المنع يشمله أيضاً؟
إذا كان المنع قديماً... فمن كان يسمح بالرحلات؟
القرار الحالي يستند إلى قرار صادر عام 1995 يتعلق بمنع نقل الحجاج من الأراضي اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية برّاً وحصر نقلهم جواً، وإلى قرار عام 2012 يتعلق بحصر سفر المعتمرين عن طريق الجو. وبالتالي، فإن ما صدر أمس هو تشديد على تطبيق منع قائم أساساً، وليس إنشاء حظر للمرة الأولى.
إذا كانت بعض الحملات، وفق ما نُقل عن مكاوي، تنسق مع حملات أردنية لتجاوز القرارات، فمن كان يراقب هذه الآلية؟ ومن يتحمل المسؤولية في حال وقوع حادث أو إصابة أحد المعتمرين؟
بين قرار حكومي قديم، وتشديد جديد، ومهلة مرتقبة حتى منتصف أيلول، واعتراض من داخل المجلس الشرعي، تبقى القضية مفتوحة على أكثر من سؤال.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



