دولي وعربي


نتنياهو وكاتس يضللان الإسرائيليين

الخميس 25 حزيران 2026 - 0:08

تحت عنوان: "نتنياهو وكاتس يعِدان بحُرية العمل في لبنان ويضلّلان الجمهور"، كتب محلل الشؤون العسكرية في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل مقالة جاء فيها:

حتى الآن، يبدو كأن الإدارة الأميركية نجحت هذه المرة في فرض وقفٍ لإطلاق النار في لبنان، ولو موقتاً. لقد أوقف الجيش الإسرائيلي وحزب الله الهجمات المتبادلة في هذه المرحلة، وبدأ الجيش الإسرائيلي بتقليص جزءٍ من قواته في الجنوب اللبناني، كذلك خفّفت قيادة الجبهة الداخلية تعليمات الحماية الموجهة إلى السكان على طول الحدود مع لبنان.

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أصدر بياناً، قبل يومين، قال فيه: "ليس لدى إسرائيل أي نية بشأن الانسحاب من قلعة الشقيف (البوفور)، لأنها جزء لا يتجزأ من المنطقة الأمنية، وهي ضرورية للدفاع عن بلدات الجليل، وعن قوات الجيش الإسرائيلي. وأوضح رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وأنا أن ’إسرائيل لن تنسحب من المنطقة الأمنية’." وأكد نتنياهو أن جنود الجيش الإسرائيلي يتمتعون بحُرية عمل كاملة "لإحباط أي تهديد مباشر، أو ناشئ ضدهم، أو ضد سكان الشمال، ولا توجد أي قيود على الجيش في هذا الشأن."

لكن نتنياهو وكاتس، كعادتهما، لا يقدمان للجمهور الصورة الكاملة للتطورات، بل يحاولان تضليله عمداً. ففي الواقع، كانت الولايات المتحدة فرضت قيوداً على العمليات الهجومية منذ نهاية الأسبوع الماضي، بعد وقت قصير على وقوع ثلاثة حوادث، قُتل فيها ستة جنود إسرائيليين في منطقة سلسلة علي الطاهر (التي تقع قلعة الشقيف في جزئها الجنوبي) في القطاع الأوسط. صحيح أنه لا يوجد حتى الآن تعليمات أميركية لإسرائيل بسحب قواتها إلى خط الحدود، لكن التعليمات الميدانية الفعلية تقضي بوقف إطلاق النار، باستثناء الحالات التي يوجد فيها تهديد مباشر من حزب الله.

خلال الأيام الأخيرة، كشف الجيش الإسرائيلي عن منشأة كبيرة تحت الأرض تابعة للحزب كانت تُستخدم لتصنيع الطائرات المسيّرة في قرية مجدل زون. ودعا الجيش صحافيين إسرائيليين إلى زيارة الموقع، وكان ينوي تفجيره قبل يومين، لكن الخطة أُوقفت في اللحظة الأخيرة، بتوجيهٍ من المستوى السياسي. وحتى صدور "صافرة النهاية" من الولايات المتحدة، كانت العمليات الهجومية تتركز على سلسلة من المنشآت المشابهة في المنطقة نفسها، وعلى رأسها مخبأ قيادة مركزي تابع لوحدة "بدر" في حزب الله، وهي الوحدة المسؤولة عن تلك المنطقة. ووفقاً للتقارير الإسرائيلية، لا يزال العشرات من مقاتلي حزب الله محاصرين داخل ذلك المخبأ.

إن ما يُنشر في هذا الشأن، والذي تردده وسائل الإعلام من دون تمحيص كافٍ، يذكّر بخطوتين سابقتين للحكومة؛ ففي ربيع 2024، وبالتزامن مع السيطرة على رفح، وُصف محور فيلادلفيا على الحدود مع مصر بأنه "صخرة وجودنا"، وهذه المنطقة لا يجوز، في أي حال من الأحوال، الانسحاب منها، ضمن صفقة كان يجري البحث فيها آنذاك، لإطلاق سراح جميع المخطوفين، وفي نهاية المطاف، أُطلق سراحهم على دفعتين، في كانون الثاني/يناير وتشرين الأول/أكتوبر 2025، لكن نحو أربعين منهم لقوا حتفهم في أثناء احتجازهم لدى "حماس". ومع ذلك، لم يمنع ذلك نتنياهو من التفاخر في الأسبوع الماضي بقوله: "لقد أعدت جميع المخطوفين." وبعد ذلك، قبيل إعلان وقف إطلاق النار في غزة، جرى تضخيم أزمة تتعلق بموقعَين تابعين لـ"حماس" بقيا شرقي "الخط الأصفر" داخل المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل.

تحاول الحكومة الآن اتّباع الأسلوب نفسه في لبنان؛ ففي خطابها المحدود للمواطنين، تعمل على طمس الحقيقة التي فرضها عليها الأميركيون، بينما تأمل أن تؤدي التطورات الميدانية إلى تأخير تنفيذ التفاهمات. لكن فرص ذلك تبدو كأنها ضئيلة في الوقت الراهن، لأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب مستثمر في تحقيق الهدوء في لبنان من أجل بلوغ هدفه الأكبر، وهو التوصل إلى تسوية مستقرة في منطقة الخليج، تتيح له سحب القوات الأميركية من المنطقة بسرعة وتركها خلفه.

في المدى الطويل، إن استمرار الاحتفاظ بأراضٍ في الجنوب اللبناني يؤدي إلى أنماط ثابتة من بناء مزيدٍ من المواقع العسكرية، وتوسيع النشاط اللوجستي، وتسيير القوافل العسكرية، والسؤال هو: هل إسرائيل مستعدة لذلك؟ وإلى أي مدى تعرّض جنودها لمخاطر مستقبلية؟ منذ الآن، تتضح الصعوبة المستمرة في تطوير وسائل دفاع واعتراض فعّالة ضد خطر الطائرات المسيّرة التي تعمل عبر كابلات الألياف الضوئية.

في هذه الأثناء، تتوالى أنباء غير مريحة بالنسبة إلى الإسرائيليين، فأمس الاثنين، أصدر كلٌّ من قطر وباكستان، الوسيطتين في الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، بياناً مشتركاً عقب الجولة الأولى من المفاوضات في سويسرا. وبحسب البيان، تم الاتفاق على إنشاء غرفة تنسيق لمنع الاحتكاك العسكري في لبنان، هدفها ضمان وقف النشاط العسكري في لبنان، وفقاً لمذكرة التفاهم. ويُفهم من صيغة البيان أن إسرائيل لن تكون شريكةً في هذه الآلية الجديدة، أي إن ترامب ينتزع منها، إلى حدٍّ كبير، إدارة الأزمات الناشئة في لبنان، بعد أن فرض قيوداً كبيرة على نشاط الجيش الإسرائيلي.

لا يزال لبنان ساحة ثانوية، في نظر الرئيس الأميركي، مقارنةً بإيران؛ أمّا الخبر الإيجابي الوحيد في الساحتين، فهو الأمل بوقف القتال، والسبب أن استمرار الحرب في الظروف الحالية لا يخدم إسرائيل، وهناك شك في أن يؤدي إلى إضعافٍ حقيقي لإيران، أو حزب الله، لكن الترتيبات التي يجري التوصل إليها ربما تتيح للإيرانيين وحلفائهم إعادة بناء قدراتهم العسكرية، بينما يواصل ترامب، لأسبابه الخاصة، التظاهر بأن كل شيء يسير على ما يرام. ولا شك في أن القوة العسكرية الإيرانية تراجعت، والاقتصاد الإيراني تعرّض لأضرارٍ جسيمة نتيجة الضربات الأميركية والإسرائيلية، لكن ثقة النظام بنفسه تزداد، ولا سيما في ظل شروط الاتفاق، وستبدأ عملية إعادة الإعمار بسرعة.

توماس فريدمان، الكاتب المخضرم في صحيفة "نيويورك تايمز"، كتب هذا الأسبوع أن ترامب "باع إسرائيل ودول الخليج من أجل الولايات الأميركية المتأرجحة: بنسلفانيا، وجورجيا، وميشيغان. لقد أدرك ترامب أن ارتفاع أسعار الغذاء والوقود بسبب الحرب هو وصفة لهزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وإذا حصل الديمقراطيون على الأغلبية في مجلسَي النواب والشيوخ، فسيواجه ترامب تحقيقات لا تنتهي عن كيفية استخدامه منصب الرئاسة لتحقيق مكاسب مالية له، ولأفراد أسرته." وأضاف فريدمان أن ترامب، بتوقيعه مذكرة التفاهم، "فعل ما يفعله دائماً: تخلى عن كل مبدأ، وعن حلفائه، ووضع مصالحه الشخصية فوق أي اعتبار آخر!"

 *نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية



جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط

أخبار ذات صلة