الأحد 8 كانون الأول 2024 - 0:01
خاص (أيوب)
حقّقت التشكيلات العسكرية للمعارضة السورية المفاجأة الكاملة بتحرير ثلاث مدن رئيسية هي حلب وحماة وحمص في عشرة أيام فقط، فيما تُطبق على العاصمة دمشق من جهات مختلفة، بالوقت نفسه الذي تضيّق فيه الخناق على الساحل ذي الكثافة العلوية. كيف نجحت المعارضة فيما فشلت فيه خلال أربع سنوات ما بين عامي 2012 و2016، عندما كانت تسيطر على مساحات شاسعة من البلاد ثم انحسر نفوذها تدريجياً مع بدء التدخل الروسي العسكري المباشر عام 2015؟ لا بدّ من ذكر الخصائص التالية للحملة العسكرية الناجحة بشكل غير مسبوق:
أولاً، تعلّمت المعارضة من دروس المرحلة السابقة، وأهم تلك الدروس عدم إمكانية الانتصار على النظام فضلاً عن الصمود أمام هجماته الشرسة مدعوماً من الروس جواً ومن إيران وميليشياتها براً، ما لم يكن الجسم العسكري موحداً أو في الأقل، أن تقاتل المعارضة في كل الجبهات وكأنها جيش واحد، بحيث تستفيد بشكل كامل من التفوق العددي، باعتبار أن أهل السنة هم أغلبية الثوار، وأغلبية السكان، فيما مفاصل النظام بيد الأقلية العلوية. ويُسجّل في هذا المجال، أنّ عدة محاولات جرت لتوحيد الفصائل في جبهات أو تحالفات عسكرية، وكانت جبهة النصرة سابقاً، ممن حاولت تكتيل القوى، وخضعت لمطالبات القوى الثورية في الانفكاك عن تنظيم القاعدة، ثم التخلي نسبياً وتدريجياً عن المنهج السلفي الجهادي. ومع ذلك، لم تتحقق وحدة الفصائل بشكل كامل، وظلّت تتعثر حتى لحظة إطلاق معركة ردع العدوان. وما شكّل مفاجأة صادمة للنظام وحلفائه، أن المعارضة توحدت فجأة في المعركة، وعاد كثير من المعتكفين من المقاتلين السابقين، بل استقطبت النجاحات الأولى في حلب كثيراً ممن كانوا قد وقّعوا على أوراق تسوية مع النظام في السنوات الأخيرة. وما يزال الوقت مبكراً لدراسة حيثيات هذا التحوّل المفاجئ.
ثانياً، لم تُثبت المعارضة فقط علوّ كعبها في المجال العسكري، تجنيداً وتدريباً وتسليحاً وتصنيعاً وتخطيطاً، بحيث أدهشت الحلفاء قبل الأعداء، بمهارتها واحترافها؛ إذ تقاتل وكأنها جيش نظامي، وفق خطط محكمة، ووضع بدائل عند طروء مشكلات في تطبيق الخطة الأصلية، وفي سوْق القطعات المقاتلة عملياتياً وفق رؤية استراتيجية، بل إنها فاجأت العالم بخطابها السياسي والإعلامي العاقل والمتزن والمعتدل. فما شاب الثورة التي تحولت إلى الصراع المسلح، منذ البداية، أنها كانت ذات خطاب إعلامي وسياسي متناقض، لا سيما مع هيمنة الجماعات الإسلامية السلفية على المشهد العام، علماً أن كل فصائل المعارضة كانت تتبنى موقفاً متشدداً بالنظر إلى الحجم الهائل من الانتهاكات التي تعرضت له الحاضنة الشعبية من اعتقال وتعذيب واغتصاب وإعدام. وهذه الانتهاكات لم تكن عفوية بل نهجاً مقصوداً لدفع المقاومة المسلحة دفعاً نحو التطرف في الأقوال والأفعال، من أجل وسمها بالإرهاب، وتحريف وجه الصراع، ليكون بين الدولة الشرعية والجماعات الإرهابية، بدل من وصفه بشكل صحيح، وهو أنه صراع بين أجهزة القمع والشعب المقهور. الآن، وبعد 13 سنة من المعاناة، تعلّم المظلومون محاسن الانضباط والالتزام بالمعايير الشرعية والقانونية المتعارف عليها في التعامل مع الآخر حتى لو كان مؤيداً للنظام.
ثالثاً، استفادت المعارضة من تكتيكات النظام في السنوات الفائتة، عندما كان يحاصر معاقل الثورة، وينفرد بها بشكل متعاقب، مع عرض الترحيل الآمن على مسلّحي المعارضة إلى مناطق أخرى، بدل خوض المعركة في كل بقعة حتى النهاية، وهو ما كان يسهّل على النظام التخلّص من كل تكتل جغرافي وبشري على حدة. وكان بإمكان النظام أن يبني على هذا التكتيك الناجح المتسلّح بمبدأ التفاوض على خفض التصعيد، من أجل إيجاد حلول سياسية معقولة، وإقفال صفحة الحرب. لكن ما نسف كل النجاحات العسكرية للنظام، استعصاؤه السياسي، وإصراره على الحسم العسكري حتى لو هُجّر الملايين من السوريين خارج البلاد. أما المعارضة، فتستعمل التكتيك نفسه، وتنجح فيه أيضاً، بدرجة أكبر، إذ اعتمدت على مبدأ تطويق المناطق المأهولة وتكثيف الدعوة إلى الجنود النظاميين من أجل الانشقاق عن الجيش، وتوفير الأمان الشخصي لهم، مع قدر معقول من الكرامة، لتشجيع أكبر عدد ممكن من الجنود على الانفكاك عن النظام، لا سيما وأنّ الجيش السوري يمثل التوزيع الديمغرافي للطوائف المكوّنة للمجتمع، وفيه أغلبية سنية. من هنا، كانت نسبة النجاح عالية، مما تسبب بشرخ كبير في صفوف الجيش، وأشاع مناخ عدم الثقة فيه، وهو ما أدى في معركة حلب، إلى الانسحاب من المدينة من دون قتال تقريباً. فالضباط العلويون انسحبوا بسرعة من مواقعهم، وتركوا الجنود حيارى، فكانوا أمام خيار الاستسلام أو الانشقاق أو الموت. لذلك كانت الخسائر قليلة وغير متناسبة مع التوسع الهائل في مسرح العمليات.
معركة دمشق
إذا كان فتح حلب، بمنزلة الصدمة والترويع، مما أفضى إلى الانهيار الكامل لقوات النظام، وهروبها إلى حماة وتكتلها هناك، بوصفها مركز الثقل الجغرافي والعسكري، فإن المعركة الشرسة في حماة، والتي استعمل فيها الطرفان كل الخدع العسكرية الممكنة، لتطويق العدو ونصب الكمائن، قد انتهت أخيراً بتفوق واضح للمعارضة، وانتهت المعركة بكسر شوكة النظام، وتدمير النواة الصلبة. وأصبحت المعارضة بعد حماة، في انفتاح جبهوي، في أكثر من اتجاه، فإما الاتجاه إلى الساحل، أو إكمال الزحف إلى حمص، أو الالتفاف حول حمص والتوجه مباشرة إلى دمشق. وفي الواقع، أنّ "إدارة العمليات العسكرية"، وهو الاسم الرسمي لتكتل الفصائل، قد استعملت الاتجاهات الثلاثة، للتمويه على الهجوم الرئيسي، وخدعت النظام مرة أخرى، حين أوهمته أنها تركز على حمص في هذه المرحلة، فإذا بها تنعطف إلى دمشق، مع إشعال الثورة في درعا والسويداء والقنيطرة، وانتقالها بسرعة إلى ريف دمشق والقلمون، ما جعل السباق متسارعاً بين ثلاث متحركات عسكرية: ردع العدوان بقيادة هيئة تحرير الشام، وفجر الحرية بقيادة الجيش الوطني، وجيش سوريا الحرة انطلاقاً من الحدود العراقية السورية (التنف)، فيمن يسهم في تحقيق تحرير دمشق، عن طريق تأمين المحاور القتالية المختلفة، بل السباق على السياق بين التفاوض السياسي والحسم العسكري، فمن يصل أولاً، الحل السياسي أم الحسم العسكري؟ لكن المشكلة أن الدول الإقليمية والعربية تتفاوض من دون السوريين، فيما السوريون هم الذين يرسمون مصيرهم من فوهة البندقية.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



