السبت 31 كانون الثاني 2026 - 0:14
كتب المحامي وعضو الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، ورئيس تحالف "الجبهة العربية للتغيير" أيمن عودة مقالة في صحيفة "هآرتس" تحت عنوان: "سنتظاهر يوم السبت ضد العنف في المجتمع العربي؛ هذه دعوة لكل اليهود إلى المشاركة". جاء فيها:
إن صوت دماء أطفالنا يصرخ إلينا من الأرض؛ صوت دماء إخوتنا يصرخ إلينا من الأرض؛ صوت دماء آبائنا وأمهاتنا يصرخ إلينا من الأرض. هذه الآية التي تصف أول جريمة قتل في التوراة تحولت إلى واقع حي، يتنفس ويصرخ، وهذا الصراخ أصبح الصوت اليومي للمجتمع العربي في إسرائيل في الأعوام الأخيرة.
قُتل في العام الماضي 252 مواطناً عربياً في إسرائيل، ومنذ بداية العام الحالي، قُتل 23 آخرون. خلف هذه الأرقام بشر لهم أسماء، وبيوت أُفرغت من أهلها، وعائلات تضطر إلى التعلّم كيف تتنفس من جديد؛ هناك أطفال يكتشفون في سن مبكرة جداً أن الدولة التي وُلدوا فيها غير قادرة على حمايتهم. كلّ رقم من هذه الأرقام، كلّ حياة زُهقت، هو شهادة على عنف الجريمة المنظمة التي تفرض إيقاعها اليومي على كثيرين.
إن صوت دم الدكتور عبد الله عوض، البالغ من العمر 29 عاماً، من قرية المزرعة، يصرخ من الأرض؛ كان عبد الله طبيب أطفال شاباً، قُتل في شباط/فبراير من العام الماضي، في منتصف يوم عملٍ له في داخل عيادة تابعة للتأمين الصحي، أمام أعين أشخاص جاؤوا إليه طلباً للعلاج. كان رب أسرة وزوجاً وأباً لطفلين صغيرين.
إن صوت دم سوزان عبد القادر بشارة، الناشطة الاجتماعية ذات الأربعين عاماً، يصرخ من الأرض؛ سوزان قُتلت في نيسان/أبريل 2025 في مدينة الطيرة. لقد كرست حياتها للعمل من أجل المجتمع، ومن أجل حقوق الإنسان، ومن أجل بناء مجتمع أكثر عدالة.
إن صوت دم نبيل صفية، وهو فتى في الخامسة عشرة من عمره، من قرية ياسيف، وطالب ثانوي كان يستعد لامتحان في علم الأحياء، يصرخ من الأرض؛ نبيل كان طفلاً، مثل كثيرين في سنّه، يحلم بمستقبل أفضل. كان من المفترض أن يقلق بشأن علاماته الدراسية، وعائلته المحبّة، وأصدقائه، لا أن يُدفن في التراب.
هناك أصوات مئات آخرين، نساءً ورجالاً، بينهم عدد كبير من الشباب، تنضم إلى جوقة الدماء الصاخبة، من الأرواح التي زُهقت. كانوا يريدون أن يعيشوا، وأن يؤسسوا عائلات، وأن يسافروا، وأن يفرحوا. إنهم بشر مثلنا ومثلكم. نعم، دماؤهم تصرخ من الأرض منذ زمن، ولم يعُد ممكناً التظاهر بأننا لا نسمع.
كل مرة يحاول فيها أحد إلقاء اللوم على المجتمع العربي في هذا الواقع الذي لا يُحتمل، يقول: "هذه ثقافتكم"، لكن الوقائع تقول غير ذلك. وللمقارنة: في سنة 2025، كان عدد ضحايا القتل لكلّ 100 ألف نسمة في الضفة الغربية 0.6، وفي الأردن 1.1، بينما في المجتمع العربي في إسرائيل بلغ 12. أي عشرة أضعاف الأردن، وعشرين ضعف الضفة الغربية. إذاً، هذه ليست ثقافة، بل سياسة.
نحن مسؤولون عن 99% من مجتمعنا، في العائلة، في المدارس، وفي كل مكان آخر. ثقافتنا ثقافة الحياة، الثقافة التي تربّي وتعزز الأغلبية الساحقة من الجمهور، لكن الدولة المسؤولة عن التعامل مع 1% من الجريمة المنظمة، تختار ألّا تفعل، وأن تتخلّى عن حياة مواطنيها. وهذا الاختيار يُدفع ثمنه بالدم، في كل يوم، وفي كل مكان.
قبل خمسين عاماً خرجنا، نحن المواطنين العرب، في نضال شعبي ضد نهب أراضينا ومصادرتها، وهكذا وُلد "يوم الأرض" في سخنين، كنت طفلاً آنذاك؛ بعد خمسين عاماً، عاد الجمهور العربي إلى المدينة نفسها، ليخوض نضالاً جديداً، لم يعُد فقط من أجل الأرض، بل من أجل الحياة نفسها. إذا كان يوم الأرض تعبيراً عن صراع على الأرض التي تحت أقدامنا، فإن النضال الحالي هو من أجل الحق البسيط في العيش عليها بلا خوف. وبالمعنى الأعمق، كانت التظاهرة التي جرت في سخنين في الأسبوع الماضي لحظةً مفصلية في تاريخ المجتمع العربي، إذ تظاهر فيها نحو مئة ألف مواطن صرخوا فوق هذه الأرض، فتحول إلى "يوم الإنسان".
خرج المواطنون إلى الشوارع ليقولوا: كفى للجريمة المنظمة، كفى لسياسة تسمح بانتشار السلاح غير المرخص في الشوارع، وجزء كبير منه يتسرب من قواعد الجيش، وكفى للتخلي المتعمّد. كانت انتفاضة مدنية، شعبية، حقيقية، نابعة من الألم، ومن وعي سياسي عميق، لأننا تعبنا من رؤية الدم في شوارعنا. ولأن لا شيء أهم من حياة الإنسان.
اليوم، مساء السبت، 31 كانون الثاني/يناير، ستُقام تظاهرة كبيرة في تل أبيب: تظاهرة الأعلام السوداء. هذه دعوة إلى الجمهور اليهودي بأكمله: انضموا إلينا. كونوا شركاء.
نحن نريد أن نعيش في مجتمع بلا سلاح. نريد أن نربي أطفالاً لا يعيشون في خوف. نريد شوارع آمنة يمكن التجول فيها مساءً، لا شوارع نضطر فيها إلى الاختباء. نريد دولة تحمي مواطنيها، لا دولة تتخلى عنهم. ماذا طلبنا أصلاً؟ ما الذي طالبنا به؟
أنا لا أؤمن بالنضالات المنفصلة؛ فالنضال من أجل الديمقراطية وضد الانقلاب القضائي يمكن أن يكون أكثر تأثيراً، إذا شمل مشاركة المواطنين العرب. والنضال ضد الجريمة سيكون أكثر تأثيراً، إذا شمل مشاركة واسعة من المواطنين اليهود. لا غنى لنا عنكم، ولا غنى لكم عنّا. هذه ليست شعارات سياسية، بل حقيقة لا مفرّ منها. لذلك، يجب أن يكون هذا النضال نضالاً عربياً - يهودياً مشتركاً. فمصالحنا مشتركة، حتى لو كان من الصعب علينا الاعتراف بذلك.
إن صوت دماء إخوتنا يصرخ من الأرض. وهذه المرة، هذا الصوت لن يصمت، سيتعالى وسيُسمع في كل مكان، وفي كل زاوية. ولكي يُسمع هذا الصوت حقاً، نحن بحاجة إلى وجودكم معنا في تل أبيب، الساعة 19:30 في ساحة هبيما.
كفى جريمةً وكفى إهمالاً، نريد أن نعيش!
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



