الجمعه 30 كانون الثاني 2026 - 0:04
كتب تسفي باريل محلل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة "هآرتس" مقالة تحت عنوان: "التهديد لإيران والضغط الإسرائيلي وتضييق الخناق اللبناني يضع حزب الله أمام معضلة وجودية". جاء فيها:
في الوقت الذي لا تزال مؤشرات عملية نزع سلاح "حماس" غير ظاهرة في قطاع غزة، وتتحول القضية من مسألة عسكرية بحتة إلى قضية سياسية ودبلوماسية، يتقدم في لبنان نموذج المراحل الذي يبدو كأن دونالد ترامب سيوافق على تطبيقه أيضاً في غزة.
في آب/أغسطس الماضي، قدم الجيش اللبناني خطة من خمس مراحل لنزع سلاح حزب الله؛ المرحلة الأولى تقضي بنزع سلاح الحزب من منطقة جنوب نهر الليطاني، والتي كان من المفترض أن تنتهي في نهاية كانون الأول/ ديسمبر. هذا الشهر، صرّح الرئيس اللبناني جوزاف عون بأن المرحلة الأولى انتهت ("الجيش نظّف الجنوب اللبناني من سلاح حزب الله")، ومن المتوقع بدء المرحلة الثانية في مطلع الشهر المقبل، وتشمل تطهير المنطقة الواقعة بين نهرَي الليطاني والأولّي من السلاح.
وافق بنيامين نتنياهو، وتحت ضغط الولايات المتحدة، حتى على الإقرار بأن "جهود الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني هي بداية مشجعة، لكنها بعيدة عن أن تكون كافية." فالمسافة لا تزال كبيرة فعلاً، ومعظم السلاح الثقيل لدى حزب الله موجود شمال الليطاني، في سهل البقاع ومنطقة بيروت، والحزب يتمسك برفضه نزع سلاحه، بحجة أن الاتفاق يُلزمه فقط نزع السلاح من الجنوب اللبناني؛ هذا الأسبوع، أضاف أمينه العام الشيخ نعيم قاسم سبباً آخر للرفض، قائلاً: "لن نبقى محايدين أمام أيّ هجوم على إيران، ونحن نعتبر التهديد بتصفية (المرشد الأعلى) علي الخامنئي كأنه موجّه إلينا أيضاً، ولدينا كامل الصلاحية للتصرف حسبما نراه مناسباً."
لكن قاسم وحزب الله يعملان اليوم في بيئة سياسية جديدة، حيث يوجد في لبنان إجماع سياسي وشعبي يرى في حزب الله عاملاً يهدد بجرّ البلد إلى حرب جديدة، ويؤيد نزع سلاحه.
اليوم، يقف حزب الله أمام أخطر معضلة في تاريخه، لأسباب متعددة: نتائج الحرب المدمرة؛ مقتل معظم قيادته، وعلى رأسها حسن نصر الله؛ فقدان الحليف اللوجستي الأهم بشار الأسد؛ تقلُّص مصادر دخله، وعدم اليقين بشأن حجم الدعم الإيراني مستقبلاً.
إن التخلّي عن السلاح والتحول إلى حزب سياسي من دون جناح عسكري ربما يكون بمثابة حكم بالإعدام على الحزب، إذ يمكن أن يتراجع تفوُّقه السياسي من دون رافعة التهديد العسكري. وفي المقابل، لم يعد الحزب واثقاً بأن إيران لن تتراجع أمام تهديد الحرب، وربما "تضحّي" به في مقابل رفع العقوبات والتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة.
ومع ذلك، فإن ضعف حزب الله السياسي وتأييد الرأي العام لخطوات الحكومة لا يلغيان خطر اندلاع مواجهة عنيفة مع بدء المرحلة الثانية من خطة نزع السلاح.
الأسبوع المقبل، من المتوقع أن يزور قائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل، واشنطن لمدة ثلاثة أيام، حيث سيعرض نتائج المرحلة الأولى ويطلب دعماً لتنفيذ المرحلة الثانية وما يليها، بما في ذلك أسلحة متطورة وآليات مدرعة وتكنولوجيا متقدمة، وقبل كل شيء، الأموال.
في تشرين الأول/أكتوبر، وافقت واشنطن على تخصيص 230 مليون دولار للجيش وقوى الأمن اللبنانية. لكن الرئيس عون قدّر قبل نصف عام حاجات الجيش بنحو مليار دولار سنوياً لمدة عشرة أعوام، لكن لم يتضح من أين سيأتي لبنان بهذه الأموال.
في آذار/مارس، من المتوقع عقد مؤتمر دعمٍ للجيش اللبناني في باريس. لكن لم يُعرف بعد الدول المشارِكة ولا حجم المبالغ التي ستُجمع، وخصوصاً في ظل مطالبة الدول المانحة، وبشكل خاص الخليجية، بالمساهمة أيضاً في إعادة إعمار غزة وسورية.
في هذه الأثناء، تدخلت قطر لمساعدة لبنان، وليس للمرة الأولى، فوصل هذا الأسبوع وزير الدولة القطري للشؤون الخارجية محمد الخليفي إلى بيروت مع "حقيبة أموال"، أو على الأقل، التعهُّد باستثمار نحو 440 مليون دولار في مشاريع اقتصادية، منها إعادة إعمار ثلاث قرى في الجنوب اللبناني ودعم الجيش.
لكن المساعدات القطرية خلال السنوات الثلاث الماضية، والتي بلغت نحو 300 مليون دولار، لا تمثل سوى قطرة في بحر الأضرار التي تجاوزت 15 مليار دولار.
إلّا إن الأموال الضخمة بانتظار إصلاحات اقتصادية عميقة، ونزع سلاح حزب الله، وترتيبات أمنية مع إسرائيل تضمن تحوُّل وقف إطلاق النار إلى هدوء دائم، وربما تمهّد أيضاً لتسويات سياسية.
*نقلاً عن مجلة الدراسات الفلسطينية
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



