الثلاثاء 29 أيلول 2026 - 0:00
خاص (أيوب)
جاء خطاب وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في 26 أيلول 2026، أقرب إلى تحديد إطار متكامل للسياسة الخارجية السعودية في مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب، منه إلى مجرد عرض لمواقف المملكة من ملفات منفصلة. فالخطاب ربط بين أمن السعودية والخليج، وحرية الملاحة، والقضية الفلسطينية، واستقرار الدول العربية، وصولاً إلى أمن الطاقة والتنمية.
الأمن والسيادة أولاً
الثابت الأول الذي برز بوضوح هو أن أمن المملكة وسيادتها خط أحمر.ففي معرض حديثه عن الاعتداءات الإيرانية، أكد بن فرحان حق السعودية الكامل في حماية أمنها وسيادتها ومواطنيها والمقيمين على أراضيها ومقدراتها. لكنه، في المقابل، لم يطرح المواجهة العسكرية باعتبارها الخيار الوحيد، بل دعم جهود خفض التصعيد والحوار والدبلوماسية، ومنها الجهود القطرية والباكستانية.هنا تظهر معادلة سعودية واضحة:الانفتاح على التسويات لا يعني التهاون في الأمن، والحوار ينبغي أن يقوم على احترام السيادة وحسن الجوار والمصالح المشتركة، لا على الهيمنة وفرض النفوذ.
الخليج والممرات الدولية
الثابت الثاني هو توسيع مفهوم الأمن السعودي من الحدود الوطنية إلى أمن الخليج والممرات البحرية الدولية.فقد اعتبر الوزير أن أمن الخليج جزء من أمن المنطقة والعالم، وربطه مباشرة بأمن الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد.
ومن هنا جاءت المطالبة بحماية حرية الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، ورفض استخدام هذه الممرات أداةً للضغط أو التهديد، مع المطالبة بإعادة الأوضاع في هرمز إلى ما كانت عليه قبل 28 شباط ومن دون رسوم أو قيود.
أما فلسطين، فحافظ الخطاب على الموقف السعودي المعلن: رفض تهجير الفلسطينيين أو تغيير واقع الأرض، واعتبار حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية الطريق إلى السلام العادل والدائم.بذلك وضع بن فرحان القضية الفلسطينية ضمن ثوابت السياسة الخارجية، لا باعتبارها ملفاً مرتبطاً بتقلبات الأزمات الإقليمية.
دولة واحدة وسلاح واحد
لعل الرسالة الأكثر وضوحاً في الملفات العربية تمثلت في التشديد على الدولة ومؤسساتها وسيادتها.ففي لبنان، أكد الخطاب دعم المؤسسات الشرعية وتنفيذ اتفاق الطائف وحصر السلاح بيد الدولة. وفي العراق، دعم استقلالية القرار وحصر السلاح بيد الدولة وألا تكون الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على دول الجوار. وفي سوريا، شدد على وحدة الأراضي والسيادة والاستقرار، بينما دعا في السودان إلى حل سياسي يحفظ وحدة الدولة ومؤسساتها.
هذه المواقف تكشف خيطاً واحداً يجمع المقاربة السعودية:لا استقرار مستداماً مع تعدد مراكز القوة خارج مؤسسات الدولة.
الخطاب لم يبقَ أمنياً وسياسياً. فقد قدم بن فرحان "رؤية 2030" بوصفها جزءاً من حضور السعودية الدولي، مشيراً إلى وصول مساهمة الأنشطة غير النفطية إلى 55% من الناتج المحلي، وانخفاض بطالة السعوديين، بحسب الأرقام التي عرضها، من 12.3% عام 2016 إلى 6.4% عام 2026. كما ربط أمن الطاقة بالتحول المناخي، داعياً إلى انتقال واقعي لا يستبعد مصادر الطاقة، وتناول دور المملكة في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة.
في المحصلة، يمكن قراءة خطاب بن فرحان من خلال مجموعة ثوابت مترابطة:حماية السيادة السعودية، أمن الخليج وحرية الملاحة، الدبلوماسية من موقع القدرة على حماية المصالح، دولة فلسطينية على حدود 1967، دعم الدولة الوطنية وحصر السلاح بمؤسساتها، وأمن الطاقة والتنمية باعتبارهما جزءاً من الأمن الدولي.
إنها، وفق الخطاب، مقاربة تريد للسعودية أن تجمع بين حماية مصالحها الوطنية والدفع نحو تسويات إقليمية، وبين ثقلها السياسي ودورها الاقتصادي، في منطقة لم يعد ممكناً فصل أزماتها الأمنية عن مصالح العالم.
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



