الأحد 15 حزيران 2025 - 0:03
كتبت (كارولين بعيني – واشنطن)
بعد أن تبادلت إسرائيل وإيران الضربات الصاروخية بشكل غير مسبوق، بدا المشهد وكأن المنطقة دخلت رسميًا مرحلة كسر المحرّمات، إذ إن ما كان يُهدَّد به في الخطابات، بات واقعًا عسكريًا على الأرض.
الضربة الإسرائيلية التي استهدفت منشآت نووية وعسكرية إيرانية، وأدّت إلى مقتل قادة كبار وعلماء، كانت بمثابة رسالة متعددة الأبعاد. فهي لم تكن موجهة فقط إلى طهران، بل أيضًا إلى واشنطن، والعواصم الخليجية، وأوروبا، وحتى الداخل الإسرائيلي نفسه. إسرائيل، ترى في اللحظة الحالية فرصة نادرة: نظام إيراني متآكل، حلفاء إقليميون منهكون، ومجتمع دولي منشغل في ملفات أكثر إلحاحًا. ومع ذلك، يظل التساؤل مطروحًا: هل حقًا تمتلك إسرائيل القدرة على إسقاط النظام الإيراني، أم أن الهدف هو تحجيمه فقط ومن ثم فرض معادلة ردع جديدة لأعوام قادمة؟
في المقابل، جاءت ردود إيران حتى الآن محدودة. إطلاق الصواريخ الباليستية على مناطق إسرائيلية، رغم خطورته، لا يُقارن بحجم الضربة التي تعرضت لها طهران. وهذا ما يفتح باب الشكوك حول قدرة إيران الفعلية على الردّ، أو ربما حول استعدادها لخوض حرب شاملة. فهل نحن أمام حسابات عقلانية من النظام الذي يضع بقاءه فوق أي اعتبارات، أم أن هناك ارتباكًا داخليًا حقيقيًا أصاب مركز القرار بعد فقدان قيادات مؤثرة في ليلة واحدة؟
ما يثير الاستغراب أن طهران، رغم سنوات من التعبئة والتسليح، فشلت في منع اختراق استخباراتي بهذا الحجم، شبيه بذلك الذي تعرّضت له مصر عام 1967 حين ضُرب سلاحها الجوي على الأرض. كيف تُرك قادة وعلماء مكشوفين بهذا الشكل؟ ولماذا لم يتم اتخاذ إجراءات مسبقة، رغم وضوح مؤشرات التصعيد؟ وهل كانت القيادة الإيرانية واقعة تحت وهم المفاوضات الجارية في عمان، أو ربما تحت تأثير تطمينات صدرت من واشنطن ولندن وباريس؟
اللافت أيضًا غياب التحرك المباشر من الحلفاء التقليديين لإيران. حزب الله، الذي طالما اعتُبر الذراع الأولى لطهران في المنطقة، لم يُطلق رصاصة واحدة. الحوثيون لم يعلّقوا، والميليشيات العراقية لم تتحرك، رغم أن الميدان مفتوح. فهل فقدت إيران السيطرة على أذرعها الإقليمية؟ أم أن قرار الردّ الجماعي مؤجل لما بعد بلورة المشهد؟ أم أن الخسارة كانت أسرع من أن تُدار عبر الشبكات التقليدية؟
في خلفية المشهد، كانت هناك ديناميكيات متغيرة تعزز من دلالة التوقيت. السعودية، التي بدأت تقاربًا مع إيران بوساطة صينية، تجد نفسها مجددًا أمام مأزق معقّد: عدم الانحياز لطرف، وعدم القدرة على تجاهل ارتدادات حرب كهذه خصوصًا أن منشآتها النفطية لطالما كانت هدفًا في حروب الظل، وآخر ما تريده اليوم هو العودة إلى مناخ عدم الاستقرار الذي عصف بالمنطقة في العقد الماضي.
أوروبا، بدورها، تجد مصلحتها في إضعاف إيران، خاصة بعد اتهامها المتكرر بتزويد روسيا بالمسيرات في حرب أوكرانيا. لكن أحد المحرّكات غير المعلنة لهذا التصعيد هو فشل المساعي الفرنسية السعودية لإطلاق مسار إعلان الدولة الفلسطينية في نيويورك منتصف هذا الشهر. فجأة، وعبر صاروخ، تغيّرت الأولويات من "حل الدولتين" إلى "تأمين الجبهات".
الولايات المتحدة، رغم نفيها العلني، تبدو حاضرة في الخلفية. التصريحات المتضاربة بين البيت الأبيض والبنتاغون، وتبنّي الرئيس الاميركي دونالد ترامب الضمني للعملية، تعكس انقسامًا داخليًا في القرار الأميركي. لكن الثابت أن واشنطن بدأت فعليًا بإجلاء موظفيها من قواعدها في الخليج والعراق. وإذا وُجهت أي ضربة أميركية مباشرة من إيران، سيكون من الصعب على إدارة ترامب، أو أي إدارة لاحقة، البقاء على الحياد.
إسرائيل، في المقابل، تدرك أن فشلها في هذه المغامرة سيكلفها كثيرًا. ولذلك تبدو ماضية في تصعيدها حتى النهاية، وقد أعلنت أن الضربات الحالية ليست سوى بداية لحملة أوسع تهدف إلى تدمير كامل للقدرات النووية الإيرانية. ولكن هل يكفي القصف لتدمير طموحات نووية تُدار تحت الأرض؟ أم أن هذا الهجوم سيُسرّع فقط من مسار إيران نحو السلاح النووي، كرد فعل استراتيجي على ما تعتبره "العدوان الكبير"؟
وفي حين يحتفل بعض في إسرائيل بما يصفونه "ضربة العمر"، هناك داخل الأوساط الأمنية من يُحذّر من أن هذا التصعيد قد يتحول إلى فخّ مزدوج. فنجاح الحرب قد يطيح بالنظام الإيراني، لكنه قد يطيح أيضًا بنتنياهو، الذي بات عبئًا على المؤسسة العسكرية والدبلوماسية الغربية. فهل نحن أمام لحظة سيسقط فيها الخصمان سويًا؟
أمام هذا المشهد، تصبح التوقّعات صعبة. هل ستتراجع إيران وتخسر هيبتها داخليًا؟ أم ستغامر بردّ شامل وتفتح على نفسها أبواب الجحيم؟ هل ستتدخل واشنطن مباشرة إذا استهدفت قواعدها؟ وهل يمكن أن تتحول الحرب إلى نقطة انطلاق لإعادة ترسيم الشرق الأوسط على أنقاض الدول والأنظمة؟
في لحظة واحدة، تغيّرت الحسابات. وإذا كانت إيران قد خسرت الجولة الأولى، فإن الحرب لم تنتهِ بعد. وكل ما نعرفه الآن أن المنطقة لن تعود كما كانت، وأن ما سيأتي قد يكون أخطر مما سبق.
بعض التحليلات داخل إيران نفسها بدأت تُلمّح إلى أن التضليل لم يأت فقط من إسرائيل بل من تصريحات ترامب الأخيرة، حين قال إن الضربة "حتمية لكن غير وشيكة"، في محاولة ربما لتخدير الرأي العام الإيراني، رغم أنه – كما تبيّن لاحقًا – كان على علم كامل بتوقيت ومضمون الضربة وباركها سراً قبل تبنيها علنًا بعد نجاحها.
الأكثر خطورة أن الضربة جاءت بعد أيام فقط من تقارير تحدثت عن اختراق إيراني واسع للمنظومة الاستخبارية الإسرائيلية، ووثائق مسرّبة يُعتقد أنها كانت ستفضح علاقات إسرائيلية مع أطراف دولية حساسة. وقد يكون هذا سببًا إضافيًا وراء التوقيت الإسرائيلي المفاجئ.
التزامن مع التحضيرات لمؤتمر نيويورك المزمع عقده في 17 حزيران لإعلان مشروع "حل الدولتين" بقيادة فرنسية سعودية، يفتح بابًا آخر للتحليل: هل قررت إسرائيل حرق الطاولة قبل أن يُفرض عليها تنازل سياسي؟ خصوصًا أن الضربة جاءت في وقت كانت فيه ضغوط دولية تتزايد على إسرائيل لوقف الحرب على غزة، حتى من حلفاء مثل فرنسا وبريطانيا.
يضاف إلى ذلك تصاعد التوتر الدولي بسبب استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم، وتقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي رفع منسوب القلق من تحول إيران إلى دولة على عتبة النووي. أوروبا، التي تتهم إيران أصلًا بإمداد روسيا بالمسيرات في حرب أوكرانيا، بدت مستفيدة من تقليم أظافر طهران دون التورط المباشر.
ورغم أن الرد الإيراني متوقع، إلا أن طهران تقف أمام مأزق استراتيجي صعب: إذا جاء الرد محدودًا ستخسر هيبتها، وإذا كان مدمرًا قد تدخل الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بقوة، ما يعني تكرار سيناريو العراق وسوريا على أراضيها، مع احتمالات اغتيال رؤوس عليا في النظام. وحتى الرد المدروس قد لا يوقف إسرائيل عن تكرار الضربات، بل يُعطيها ذريعة للاستمرار.
الواقع أن إسرائيل لن تتراجع قبل أن تضمن تدميرًا تامًا للبرنامج النووي الإيراني. وهذا ما يجعل الحرب مفتوحة، ومفتوحة أيضًا على تدخلات فصائل أخرى، من بينها حزب الله، فصائل عراقية، وحتى الحوثيون. وفي حال استطاعت إيران تحقيق توازن ردعي دون تصعيد شامل، قد يتحرك المجتمع الدولي لفرض معادلة تهدئة وفق شروط الغرب، مع بقاء طهران في موقع تفاوضي ضعيف.
وفي الوقت الذي تنتظر فيه المنطقة الرد الإيراني، يبقى الغموض سيد الموقف. لا أحد يعلم إن كانت إيران قادرة فعليًا على الرد، أو إن كانت تخبئ مفاجآت نووية أو عسكرية في عمق ترسانتها. لكن المؤكد أن عدم الرد سيُفسَّر كهزيمة أخلاقية قبل أن تكون سياسية.
إذا نجح نتنياهو في فرض واقع جديد وبقي في الحكم، فستُدفن عمليًا فرص حل الدولتين، وسيفرض منطق القوة على المنطقة مجددًا، مع استنزاف قادم لحركات المقاومة والمبادرات العربية. أما إذا فشلت مغامرته، فستفتح الحرب الباب أمام خريطة سياسية جديدة في الداخل الإسرائيلي، وربما في طهران ايضاً .
جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط



